سيد محمد طنطاوي

296

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال مجاهد وغيره : هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا ألا تراه يقول - سبحانه - عن عذاب الآخرة : * ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ) * . وفي الحديث عن ابن مسعود : إن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار ، تعرض على النار بالغداة والعشى ، فيقال : هذه داركم . . « 1 » . هذا ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة ، يرى أن القرآن قد ساق على لسان مؤمن آل فرعون ، أسمى الأساليب وأحكمها في الدعوة إلى الحق ، فقد بدأ نصحه بنهي قومه عن قتل موسى - عليه السلام - ثم ذكرهم بنعم اللَّه عليهم ، وبسوء عاقبة الظالمين ، وبأن نعيم الدنيا زائل ، أما نعيم الآخرة فباق ، وبأن ما يدعوهم إليه هو الحق ، وبأن ما يدعونه إليه هو الباطل . ثم ختم تلك النصائح الغالية بتفويض أمره إلى اللَّه فقال : * ( فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّه ، إِنَّ اللَّه بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) * فكانت نتيجة هذا التفويض ، أن وقاه اللَّه - تعالى - من سوء مكر أعدائه ، ونجاه من شرورهم ، وأن جعل مكرهم السيئ يحيق بهم . ثم حكى - سبحانه - جانبا مما يدور بين أهل النار من مجادلات ، وكيف أن كل فريق منهم يطلب من الملائكة تخفيف العذاب عنه ، ولكن لا يجابون إلى طلبهم ، ولا تقبل معذرتهم ، وأن سنة اللَّه قد اقتضت أن ينصر عباده الصالحين في الدنيا والآخرة قال - تعالى - : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 47 إلى 55 ] وإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ( 47 ) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّه قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ ( 48 ) وقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ ( 49 ) قالُوا أَولَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ( 50 ) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ ( 51 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 52 ) ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ ( 53 ) هُدىً وذِكْرى لأُولِي الأَلْبابِ ( 54 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّه حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ والإِبْكارِ ( 55 )

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 318 .