سيد محمد طنطاوي

293

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إليها إلا بسلم . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن مكر فرعون هذا مصيره إلى الخسران فقال : * ( وكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِه ، وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ ) * . والتباب : الهلاك والخسران ، يقال : تب اللَّه - تعالى - فلانا ، أي : أهلكه ، وتبت يدا فلان ، أي : خسرتا ومنه قوله - سبحانه - : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ . . . أي : ومثل ذلك التزيين القبيح ، زين لفرعون سوء عمله ، فرآه حسنا ، لفجوره وطغيانه ، وصد عن سبيل الهدى والرشاد ، لأنه استحب العمى على الهدى . وما كيد فرعون ومكره وتلبيسه واحتياله في إبطال الحق ، إلا في هلاك وخسران وانقطاع . ثم حكى القرآن الكريم أن الرجل المؤمن قد تابع حديثه ونصائحه لقومه ، بعد أن استمع إلى ما قاله فرعون من باطل وغرور فقال : * ( وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ . . ) * أي : فيما أنصحكم به ، وأرشدكم إليه . * ( أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ) * أي : اتبعوني فيما نصحتكم به ، فإن في اتباعكم لي هدايتكم إلى الطريق الذي كله صلاح وسعادة وسداد . أما اتباعكم لفرعون فيؤدى بكم إلى طريق الغي والضلال . * ( يا قَوْمِ إِنَّما هذِه الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ . . . ) * أي : هذه الدنيا متاع زائل مهما طالت أيامه . . * ( وإِنَّ الآخِرَةَ ) * وحدها * ( هِيَ دارُ الْقَرارِ ) * أي : هي الدار التي فيها البقاء والدوام والخلود . * ( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً ) * في هذه الدنيا * ( فَلا يُجْزى ) * في الآخرة * ( إِلَّا مِثْلَها ) * كرما من اللَّه - تعالى - وعدلا . * ( ومَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ ) * باللَّه - تعالى - إيمانا حقا . * ( فَأُولئِكَ ) * المؤمنون الصادقون * ( يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ) * أي : يرزقون فيها رزقا واسعا هنيئا ، لا يعلم قدره إلا اللَّه - تعالى - ، ولا يحاسبهم عليه محاسب . فقد تفضل - سبحانه - على عباده . أن يضاعف لهم الحسنات دون السيئات . ثم استنكر موقف قومه منه فقال : * ( ويا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ ) * من العذاب

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 16 .