سيد محمد طنطاوي

294

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الدنيوي والأخروى ، بأن آمركم بالإيمان والعمل الصالح ، وأنهاكم عن قتل رجل يقول ربي اللَّه ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وهو موسى - عليه السلام - . وأنتم * ( تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ) * أي : تدعونني لما يوصل إلى النار وهو عبادة غير اللَّه - تعالى - ، والموافقة على قتل الصالحين أو إيذائهم . . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم كرر نداء قومه ؟ ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني ؟ . قلت : أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم ، وإيقاظ عن سنة الغفلة ، وفيه : أنهم قومه وعشيرته . . ونصيحتهم عليه واجبة ، فهو يتحزن لهم ، ويتلطف بهم ، ويستدعى بذلك أن لا يتهموه - فإن سرورهم سروره ، وغمهم غمه - وأن ينزلوا على تنصيحه لهم ، كما كرر إبراهيم - عليه السلام - في نصيحة أبيه قوله : يا أَبَتِ في سورة مريم . وأما المجيء بالواو العاطفة في النداء الثالث دون الثاني ، فلأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل ، وتفسير له فأعطى الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو . وأما الثالث : فداخل على كلام ليس بتلك المثابة « 1 » . وقوله : * ( تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّه وأُشْرِكَ بِه ما لَيْسَ لِي بِه عِلْمٌ . . . ) * بدل من قوله : * ( وتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ) * وتفسير وبيان له . أي : أنا أدعوكم إلى النجاة من النار ، وأنتم تدعونني إلى الإشراك باللَّه - تعالى - وإلى الكفر به ، مع أنى أعلم علم اليقين أنه - سبحانه - لا شريك له ، لا في ذاته ولا في صفاته . وقوله : * ( وأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ) * بيان للفرق الشاسع بين دعوته لهم ودعوتهم له . فهم يدعونه إلى الشرك والكفر ، وإلى عبادة آلهة قد قام الدليل القاطع على بطلانها ، وهو يدعوهم إلى عبادة اللَّه - تعالى - وحده ، الغالب لكل ما سواه ، الواسع المغفرة لمن تاب إليه بعد أن عصاه . . ثم يؤكد لهم بصورة لا تقبل الشك أو التردد أن ما يطلبونه منه هو الباطل وأن ما يطلبه منهم هو الحق فيقول : * ( لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْه ، لَيْسَ لَه دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا ولا فِي الآخِرَةِ . . . ) * .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 168 .