سيد محمد طنطاوي
292
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الناظر وإن كان بعيدا عنه ، لعلى عن طريق الصعود على هذا البناء الشاهق أبلغ الأبواب الخاصة بالسموات ، فأدخل منها فأنظر إلى إله موسى . والمراد بالظن في قوله * ( وإِنِّي لأَظُنُّه كاذِباً ) * اليقين لقوله - تعالى - في آية أخرى : وقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِله مُوسى وإِنِّي لأَظُنُّه مِنَ الْكاذِبِينَ « 1 » . فقوله - كما حكى القرآن عنه - : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرِي قرينة قوية على أن المراد بالظن في الآيتين : اليقين والجزم ، بسبب غروره وطغيانه . أي : وإني لأعتقد وأجزم بأن موسى كاذبا في دعواه أن هناك إلها غيرى لكم ، وفي دعواه أنه رسول إلينا . وكرر لفظ الأسباب لأن اللفظ الثاني يدل على الأول ، والشيء إذا أبهم ثم أوضح ، كان تفخيما لشأنه ، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السماوات أبهمها ثم أوضحها . وقوله : * ( فَأَطَّلِعَ ) * قرأه الجمهور بالرفع عطفا على * ( أَبْلُغُ ) * فيكون في حيز الترجي . وقرأه بعض القراء السبعة بالنصب فيكون جوابا للأمر في قوله : * ( ابْنِ لِي صَرْحاً . . ) * . ولا شك أن قول فرعون هذا بجانب دلالته على أنه بلغ الغاية في الطغيان والفجور والاستخفاف بالعقول ، يدل - أيضا - على شدة خداعه ، إذ هو يريد أن يتوصل من وراء هذا القول إلى أنه ليس هناك إله سواه ولو كان هناك إله سواه لشاهده هو وغيره من الناس . قال الإمام ابن كثير : وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح ، الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه ، وإنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما قاله ، من أن هناك إلها غير فرعون . . « 2 » . وقال الجمل في حاشيته ما ملخصه : وقول فرعون هذا المقصود منه التلبيس والتمويه والتخليط على قومه توصلا لبقائهم على الكفر ، وإلا فهو يعرف حقيقة الإله ، وأنه ليس في جهة ، ولكنه أراد التلبيس ، فكأنه يقول لهم : لو كان إله موسى موجودا لكان له محل ، ومحله إما الأرض وإما السماء ، ولم نره في الأرض ، فيبقى أن يكون في السماء ، والسماء لا يتوصل
--> ( 1 ) سورة القصص آية 38 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 248 .