سيد محمد طنطاوي
283
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الإمام الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن موسى - عليه السلام - أنه ما زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة باللَّه ، بين أنه - تعالى - قيض إنسانا أجنبيا غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه ، وبالغ في تسكين تلك الفتنة ، واجتهد في إزالة ذلك الشر . ثم قال - رحمه اللَّه - : يقول مصنف هذا الكتاب : ولقد جربت في أحوال نفسي أنه كلما قصدني شرير بشر ولم أتعرض له ، وأكتفى بتفويض ذلك الأمر إلى اللَّه ، فإنه - سبحانه - يقيض أقواما لا أعرفهم البتة . يبالغون في دفع ذلك الشر . . « 1 » . وظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا الرجل المؤمن كان من حاشية فرعون بدليل قوله - تعالى - : * ( مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) * ولم يكن من بني إسرائيل . وقد رجح ابن جرير - رحمه اللَّه - ذلك فقال : وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي : القول الذي قاله السدى من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون ، ولذا فقد أصغى لكلامه واستمع منه ما قاله ، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله . . ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا القائل له ولملئه بالعقوبة على قوله ، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل لاعتداده إياهم أعداء له . . ولكنه لما كان من ملأ قومه ، استمع إليه ، وكف فرعون عما كان قد هم به من قتل موسى . . « 2 » . قالوا : وهذا الرجل المؤمن هو الذي نصح موسى - عليه السلام - بقوله : إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ، فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 304 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 24 ص 38 .