سيد محمد طنطاوي

280

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قتلته أدخلت الشبهة على الناس . واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة . والظاهر أن فرعون - لعنه اللَّه - كان قد استيقن أن موسى نبيا . وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر ، ولكن الرجل كان قتالا سفاكا للدماء في أهون شيء ، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه . ويهدم ملكه . ولكنه كان يخاف إن همّ بقتله . أن يعاجل بالهلاك . . « 1 » . وقوله : * ( ولْيَدْعُ رَبَّه ) * تظاهر من فرعون بأنه لا يبالي بما يكون من وراء قتله لموسى . وأنه غير مكترث لا بموسى ولا برب موسى . فالجملة الكريمة بيان لما جبل عليه هذا الطاغية من فجور وتكبر واستهزاء بالحق فكأنه يقول : إني قاتل لموسى وليدع ربه لكي يخلصه منى . . ! ! ثم نرى فرعون بعد ذلك يتظاهر أمام حاشيته ، أنه ما حمله على إرادة قتل موسى ، إلا الحرص على منفعتهم . فيقول : * ( إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسادَ ) * . أي : اتركوني لأقتل موسى . وليدع ربه لكي يخلصه منى . إن كان في إمكانه ذلك . فإني أخاف إن لم أقتله أن يبدل دينكم الذي أنتم عليه بدين آخر أو بأن يظهر في الأرض التي تعيشون عليها الفساد ، عن طريق بث الفتن بينكم وإيقاد نار العداوة في صفوفكم . والعمل على اضطراب أمر دنياكم ومعاشكم . وهكذا الطغاة الماكرون في كل زمان ومكان : يضربون الحق بكل سلاح من أسلحتهم الباطلة . ثم يزعمون بعد ذلك أمام العامة والبسطاء والمغلوبين على أمرهم . . أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل الحرص على مصالحهم الدينية والدنيوية ! ! قال الإمام الرازي : والمقصود من هذا الكلام ، بيان السبب لقتل موسى ، وهو أن وجوده يوجب إما فساد الدين أو فساد الدنيا ، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو الذي كانوا عليه . فلما كان موسى ساعيا في إفساده كان في اعتقادهم أنه ساع في إفساد الدين الحق . وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ، ويصير ذلك سببا لوقوع الخصومات وإثارة الفتن .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 160 .