سيد محمد طنطاوي

281

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم ، لا جرم بدأ فرعون يذكر الدين فقال : * ( إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) * ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال : * ( أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسادَ ) * « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما قاله موسى - عليه السلام - بعد أن سمع من فرعون تهديداته له ، وتطاوله عليه ، فقال - تعالى - : * ( وقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ) * . وقوله * ( عُذْتُ ) * بمعنى استجرت ولجأت . يقال : عاذ فلان بفلان واستعاذ به ، إذا لجأ إليه . واستجار به . أي : وقال موسى - عليه السلام - لقومه على سبيل التثبيت لهم على الحق يا قوم . إني استجرت وتحصنت بربي وربكم من شر كل مستكبر عن الإيمان بالحق ، كافر بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب . وفي هذا القول الذي قاله موسى لقومه : يتجلى صدق إيمانه ، وقوة يقينه ووثوقه برعاية اللَّه - تعالى - له ، كما يتجلى فيه حرصه على نصحه لقومه بالثبات على الحق ، لأن اللَّه - تعالى - الذي هو ربه وربهم ، كفيل برعايته ورعايتهم وبانجائه وبإنجائهم من فرعون وملئه ، كما يتجلى فيه أن الاستكبار عن اتباع الحق ، والتكذيب بالبعث ، على رأس الأسباب التي تعين على قسوة القلب ، وفساد النفس . قال صاحب الكشاف : وقوله : * ( ورَبِّكُمْ ) * فيه بعث لهم على أن يقتدوا به ، فيعوذوا باللَّه عياذه ، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه ، وقال : * ( مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ) * لتشمل استعاذته من فرعون وغيره من الجبابرة ، وليكون على طريقة التعريض ، فيكون أبلغ . وأراد بالتكبر : الاستكبار عن الإذعان للحق ، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ، ومهانة نفسه ، وعلى فرط ظلمه وعسفه . وقال : * ( لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ) * لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة ، فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على اللَّه وعباده . ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها . . « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 303 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 161 .