سيد محمد طنطاوي

276

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

دون اللَّه - تعالى - لا يقضون بشيء أصلا ، لأنهم لا يعلمون شيئا ، ولا يقدرون على شيء ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم . * ( إِنَّ اللَّه ) * - تعالى - * ( هُوَ السَّمِيعُ ) * لكل شيء * ( الْبَصِيرُ ) * بكل شيء ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال : * ( أَولَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ، كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وآثاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّه بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّه مِنْ واقٍ ) * . أي : أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا . إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل ، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم ، يشاهدون آثار قوم صالح ، ويشاهدون آثار غيرهم . ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون ، أشد من مشركي قريش في القوة والبأس ، وأشد منهم في إقامة المباني الفارهة ، والحصون الحصينة . . فلما استمروا في جحودهم وكفرهم ، أخذهم اللَّه - تعالى - أخذ عزيز مقتدر ، بسبب ذنوبهم . وما كان لهم من دون اللَّه - تعالى - من يدفع عنهم عذابه ، أو يقيهم من بأسه . * ( ذلِكَ ) * الأخذ من أسبابه * ( بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) * أي : بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم . * ( فَكَفَرُوا ) * أي : بالرسل وبما جاؤهم به * ( فَأَخَذَهُمُ اللَّه ) * أي : فأهلكهم - سبحانه - * ( إِنَّه قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ) * أي : إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل ، شديد العقاب لمن كفر به ، وأعرض عن دعوة رسله . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة اللَّه ، ومن أهوال يوم القيامة ، ومن علمه الشامل لكل شيء ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون . فذكرت جانبا من التهديدات التي وجهها فرعون إلى موسى وقومه ، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما ، فقال - تعالى - :