سيد محمد طنطاوي
275
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والشفيع : من الشفع ، بمعنى الانضمام ، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه . أي : ليس للظالمين في هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم ، ولا شفيع يطيعهم في الشفاعة لهم ، لأنهم في هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم ، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم . فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذي يهتم بأمرهم ، والشفيع الذي يشفع لهم ، والإنسان الذي تكون له أية كلمة تسمع في شأنهم . ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شيء فقال : * ( يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ ) * . والمراد بخائنة الأعين : النظرة الخائنة التي يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم اللَّه الاطلاع عليه . والجملة خبر لمبتدأ محذوف . والإضافة في قوله * ( خائِنَةَ الأَعْيُنِ ) * على معنى من ، وخائنة : نعت لمصدر محذوف . أي : هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين ، وهي التي يوجهها صاحبها في تسلل وخفية إلى محارم اللَّه - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التي يخفيها الناس في صدورهم ، وسيجازيهم على ذلك في هذا اليوم بما يستحقون . قال القرطبي : ولما جيء بعبد اللَّه بن أبي سرح إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة ، وطلب له الأمان عثمان بن عفان ، صمت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم طويلا ، ثم قال : « نعم » . فلما انصرف قال صلَّى اللَّه عليه وسلم لمن حوله : « ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه » . فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إلى يا رسول اللَّه ؟ فقال : « إن النبي لا تكون له خائنة أعين » « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق في هذا اليوم مرده إليه وحده فقال : * ( واللَّه يَقْضِي بِالْحَقِّ . . . ) * . أي : واللَّه - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل . * ( والَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِه لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ . . ) * أي : والآلهة الذين يعبدهم الكفار من
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 303 .