سيد محمد طنطاوي
246
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قلت : معناه . أوحى إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ، وإلى الذين من قبلك مثله ، أو أوحى إليك وإلى كل واحد منهم : لئن أشركت ليحبطن عملك . كما تقول : فلان كسانا حلة . أي : كل واحد منا . فإن قلت : هو على سبيل الفرض . والمحالات يصح فرضها . . « 1 » . والآية الكريمة تحذر من الشرك بأسلوب فيه ما فيه من التنفير منه ومن التقبيح له ، لأنه إذا كان الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم لو وقع في شيء منه - على سبيل الفرض - حبط عمله ، وكان من الخاسرين . فكيف بغيره من أفراد أمته ؟ وقوله - تعالى - : * ( بَلِ اللَّه فَاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) * أمر منه - تعالى - بالثبات على عبادة اللَّه - تعالى - وحده ، وبالمداومة على شكره ، ونهى عن طاعة المشركين ، ولفظ الجلالة منصوب بقوله * ( فَاعْبُدْ ) * والفاء جزائية في جواب شرط مقدر . أي : لا تطع - أيها الرسول الكريم - المشركين فيما طلبوه منك ، بل اجعل عبادتك للَّه - تعالى - وحده ، وكن من الشاكرين له على نعمه التي لا تحصى . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغير اللَّه - تعالى - قد تجاوزوا حدودهم معه - عز وجل - ، ولم يعطوه ما يستحقه من تنزيه وتقديس فقال : * ( وما قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قَدْرِه ) * . أي : أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغيره - تعالى - ، ما عظموه حق تعظيمه ، وما أعطوه ما يستحقه - سبحانه - من تقديس وتكريم وتنزيه وطاعة . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على وحدانيته . وكمال قدرته . فقال : * ( والأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُه يَوْمَ الْقِيامَةِ ، والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه ) * . والقبضة : المرة من القبض ، وتطلق على المقدار المقبوض بالكف . ومطويات أي : مجموعات تحت قدرته وملكه ، كما يجمع الكتاب المطوى ، والجملة الكريمة حال من لفظ الجلالة ، فيكون المعنى : إن هؤلاء المشركين لم يعظموا اللَّه حق تعظيمه ، حيث أشركوا معه في العبادة آلهة أخرى هي من مخلوقاته ، والحال أنه - سبحانه - هو المتولى لإبقاء السماوات والأرض على حالهما في الدنيا ، وهو المتولى لتبديلهما أو إزالتهما في الآخرة ، فالأرض كلها مع عظمتها
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 141 .