سيد محمد طنطاوي

247

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وكثافتها تكون يوم القيامة في قبضته وتحت قدرته ، كالشىء الذي يقبض عليه القابض ، والسماوات كذلك مع ضخامتها واتساعها ، تكون مطويات بيمينه وتحت قدرته وتصرفه ، كما يطوى الواحد منا الشيء الهين القليل بيمينه ، وما دام الأمر كذلك فكيف يشركون معه غيره في العبادة ؟ فالمقصود من الآية الكريمة بيان وحدانيته وعظمته وقدرته - سبحانه - وبيان ما عليه المشركون من جهالة وانطماس بصيرة حين أشركوا معه في العبادة غيره . قال صاحب الكشاف : والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعته ، تصوير عظمته ، والتوقيف على كنه جلاله لا غير ، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز . . . « 1 » . وقال الآلوسي : والكلام في هذه الآية عند كثير من الخلف ، تمثيل لحال عظمته - تعالى - ونفاذ قدرته . . بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعا ، ويمين بها يطوى السماوات ، أو بحال من يكون له قبضة فيها الأرض والسماوات ، ويمين بها يطوى السماوات . والسلف يقولون : إن الكلام هنا تنبيه على مزيد جلالته - تعالى - . إلا أنهم لا يقولون إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف ، ولا اليمين مجاز عن القدرة ، بل ينزهون اللَّه - تعالى - عن الأعضاء والجوارح ، ويؤمنون بما نسبه - تعالى - : إلى ذاته بالمعنى اللائق به الذي أراده - سبحانه - وكذا يفعلون في الأخبار الواردة في هذا المقام . فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم فقال : يا محمد . إنا نجد اللَّه يحمل السماوات يوم القيامة على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع . فيقول : أنا الملك . فضحك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ، ثم قرأ هذه الآية . . « 2 » . وقدم - سبحانه - الأرض على السماوات لمباشرتهم لها ، ومعرفتهم بحقيقتها . وخص يوم القيامة بالذكر ، وإن كانت قدرته عامة وشاملة لدار الدنيا - أيضا - لأن الدعاوى تنقطع في ذلك اليوم . كما قال - تعالى - والأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه . روى الشيخان عن ابن عمر قال : سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم يقول : « يطوى اللَّه

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 143 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 24 ص 26 .