سيد محمد طنطاوي
239
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
منها إقباله عليهم ، ونداؤهم ، ومنها : إضافتهم إليه إضافة تشريف ، ومنها : الالتفات من التكلم إلى الغيبة ، في قوله : * ( مِنْ رَحْمَةِ اللَّه ) * ، ومنها : إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى ، ومنها : إعادة الظاهر بلفظه في قوله : * ( إِنَّ اللَّه يَغْفِرُ ) * ومنها : إبراز الجملة من قوله : * ( إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) * مؤكدة بأن ، والفصل ، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الجملة السابقة . وقال عبد اللَّه بن مسعود وغيره : هذه أرجى آية في كتاب اللَّه تعالى « 1 » . وبعد أن فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته فتحا واسعا كريما . . أتبع ذلك بحضهم على التوبة والإنابة إليه ، حتى يزيدهم من فضله وإحسانه فقال : * ( وأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) * . أي قل لهم - أيها الرسول الكريم - لا تقنطوا من رحمة اللَّه إن اللَّه يغفر الذنوب جميعا ، وارجعوا إليه بالتوبة والإنابة ، وأخلصوا له العبادة ، من قبل أن ينزل بكم العذاب الذي لا تستطيعون دفعه ثم لا تجدون من ينجيكم منه . فأنت ترى أن الآية الأولى بعد أن فتحت للعصاة باب رحمة اللَّه على مصراعيه ، جاءت الآية الثانية فحثتهم على التوبة الصادقة النصوح ، حتى تكون رحمة اللَّه - تعالى - بهم أكمل وأتم وأوسع ، فإن التوبة النصوح سبب في تحويل السيئات إلى حسنات . كما قال - تعالى - : إِلَّا مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّه سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ، وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً « 2 » . ثم أمرهم باتباع أوامر القرآن الكريم ونواهيه فقال : * ( واتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) * . أي : واتبعوا هذا القرآن الكريم ، الذي هو أحسن ما أنزله - سبحانه - إليكم ، بسبب ما اشتمل عليه من هدايات سامية ، ومن تشريعات حكيمة . ومن آداب قويمة . فإن اتباع ما اشتمل عليه هذا القرآن من توجيهات . يؤدى إلى السعادة في الدنيا والآخرة . وقوله : * ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) * متعلق بالأمر بالاتباع ، وإرشاد إلى وجوب الامتثال بدون تأخير أو تسويف .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 605 . ( 2 ) سورة الفرقان الآية 70 .