سيد محمد طنطاوي
238
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد بالإسراف هنا : الإسراف في اقتراف المعاصي والسيئات ، والخطاب للمؤمنين المذنبين . وعدى الفعل « أسرفوا » بعلى ، لتضمنه معنى الجناية ، أي جنوا على أنفسهم . والقنوط : اليأس ، وفعله من بابى ضرب وتعب . يقال : فلان قانط من الحصول على هذا الشيء ، أي يائس من ذلك ولا أمل له في تحقيق ما يريده . والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لعبادي المؤمنين الذين جنوا على أنفسهم بارتكابهم للمعاصي ، قل لهم : لا تيأسوا من رحمة اللَّه - تعالى - ومن مغفرته لكم . وجملة « إن اللَّه يغفر الذنوب جميعا » تعليلية . أي : لا تيأسوا من رحمة اللَّه - تعالى - لأنه هو الذي تفضل بمحو الذنوب جميعها . لمن يشاء من عباده المؤمنين العصاة . * ( إِنَّه ) * - سبحانه - * ( هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) * أي : هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده المؤمنين ، فهم إن تابوا من ذنوبهم قبل - سبحانه - توبتهم كما وعد تفضلا منه وكرما ، وإن ماتوا دون أن يتوبوا ، فهم تحت رحمته ومشيئته ، إن شاء غفر لهم ، وإن شاء عذبهم ، ثم أدخلهم الجنة بفضله وكرمه . أما غير المؤمنين ، فإنهم إن تابوا من كفرهم ودخلوا في الإسلام ، غفر - سبحانه - ما كان منهم قبل الإسلام لأن الإسلام يجبّ ما قبله . وإن ماتوا على كفرهم فلن يغفر اللَّه - تعالى - لهم ، لقوله : إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . قال الإمام الشوكاني : واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب اللَّه ، لاشتمالها على أعظم بشارة ، فإنه أولا : أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ، ومزيد تبشيرهم . ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي . . ثم عقب على ذلك بالنهى عن القنوط من الرحمة . . ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن فقال : * ( إِنَّ اللَّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ . . ) * فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده ، فهو في قوة إن اللَّه يغفر كل ذنب كائنا ما كان ، إلا ما أخرجه النص القرآني وهو الشرك . ثم لم يكتف بما أخبر به عباده من مغفرة كل ذنب ، بل أكد ذلك بقوله * ( جَمِيعاً ) * فيا لها من بشارة ترتاح لها النفوس . . وما أحسن تعليل هذا الكلام بقوله : * ( إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . . ) * « 1 » . وقال الجمل في حاشيته ما ملخصه : وفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان أشياء حسنة ،
--> ( 1 ) راجع تفسير فتح القدير للشوكاني ج 4 ص 470 .