سيد محمد طنطاوي
234
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجزع بعض الصالحين عند موته ، فسئل عن سبب ذلك فقال : أخشى أن يبدو لي من اللَّه ما لم أحتسبه ، ثم قرأ هذه الآية « « 1 » . ثم تهديد ثالث يتمثل في قوله - تعالى - : * ( وبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ) * والمراد بسيئات ما كسبوا : الأعمال السيئة التي اكتسبوها في دنياهم ، وهذا البدو والظهور يكون عند عرض صحائف أعمالهم عليهم . و « ما » موصولة أو مصدرية . أي : وظهر لهم عند عرض صحائف أعمالهم عليهم يوم القيامة ، الذي عملوه واكتسبوه في الدنيا من رذائل * ( وحاقَ بِهِمْ ) * أي : وأحاط ونزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به في حياتهم ويتهكمون بمن كان يحذرهم منه في الدنيا . وبعد هذا التصوير الرهيب لمصير هؤلاء المشركين يوم القيامة ، عادت السورة إلى بيان تناقضهم مع أنفسهم ، فهم إن سئلوا عمن خلق السماوات والأرض ، قالوا : إن خالقهما هو اللَّه ، ومع ذلك يعبدون غيره وتشمئز قلوبهم عند ذكره وحده . وهم يتقربون إلى آلهتهم بالطاعات ، ومع ذلك فهم عند نزول الشدائد بهم ، ينسون تلك الآلهة ويتجهون إلى اللَّه - تعالى - وحده بالدعاء . لنستمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى أحوالهم في السراء والضراء فتقول : * ( فَإِذا مَسَّ الإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ، ثُمَّ إِذا خَوَّلْناه نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُه عَلى عِلْمٍ . . . ) * . والمراد بالإنسان هنا هو جنس الكفار ، بدليل سياق ، الآيات وسباقها ويصح أن يراد به جنس الإنسان عموما ، ويدخل فيه الكفار دخولا أوليا . أي : فإذا أصاب الإنسان ضر ، من مرض أو فقر أو نحوهما ، دعانا قاعدا أو قائما . لكي نكشف عنه ما نزل به من بلاء . * ( ثُمَّ إِذا خَوَّلْناه نِعْمَةً مِنَّا . . ) * أي : ثم إذا أجبنا لهذا الإنسان دعوته وكشفنا عنه الضر وأعطيناه على سبيل التفضل والإحسان نعمة من عندنا ، بأن حولنا مرضه إلى صحة ، وفقره إلى غنى . * ( قالَ ) * هذا الإنسان الظلوم الكفار * ( إِنَّما أُوتِيتُه عَلى عِلْمٍ ) * منى بوجوه المكاسب ، أو على علم منى بأن سأعطى هذه النعمة ، بسبب استعدادي واجتهادي وتفوقى في مباشرة
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 133 .