سيد محمد طنطاوي
235
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الأسباب التي توصل إلى الغنى والجاه . وقال - سبحانه - : * ( خَوَّلْناه ) * لأن التخويل معناه العطاء بدون مقابل ، مع تكراره مرة بعد مرة . وجاء الضمير في قوله * ( أُوتِيتُه ) * مذكرا مع أنه يعود إلى النعمة . لأنها بمعنى الإنعام . أي : إذا خولناه شيئا من الإنعام الذي تفضلنا به عليه ، قال إنما أوتيته على علم وتبوغ عندي . وقوله - تعالى - * ( بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) * رد لقوله ذلك ، وزجر لهذا الجاحد عما تفوه به . أي : ليس الأمر كما زعم هذا الجاحد ، فإننا ما أعطيناه هذه النعم بسبب علمه - كما زعم - وإنما أعطيناه ما أعطيناه على سبيل الإحسان منا عليه ، وعلى سبيل الابتلاء والاختبار له ، ليتبين قوى الإيمان من ضعيفه ، وليتميز الشاكر من الجاحد . * ( ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * أي : ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقائق ، ولا يفطن إليها إلا من استنارت بصيرته ، وطهرت سريرته . قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء ، وعطف مثلها في أول السورة بالواو ؟ قلت : السبب في ذلك أن هذه وقعت مسببة من قوله . * ( إِذا ذُكِرَ اللَّه وَحْدَه اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) * . على معنى أنهم يشمئزون من ذكر اللَّه ، ويستبشرون بذكر الآلهة . فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره ، دون من استبشر بذكره ، وما بينهما من الآي اعتراض . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - المصير السيئ للجاحدين السابقين ليعتبر بهم اللاحقون فقال : * ( قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * . والضمير في قوله * ( قالَهَا ) * يعود إلى ما حكاه - سبحانه - عن هذا الإنسان الجاحد من قوله : * ( إِنَّما أُوتِيتُه عَلى عِلْمٍ ) * . فهذه الكلمة قد قالها قارون عندما نصحه الناصحون ، فقد رد عليهم بقوله إِنَّما أُوتِيتُه عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فكانت نهايته أن خسف اللَّه به وبداره الأرض . أي : قد قال هذه الكلمة الدالة على الجحود والغرور ، بعض الأقوام الذين سبقوا قومك . والذين يشبهونهم في البطر والكنود ، فكانت نتيجة ذلك أن أخذهم اللَّه - تعالى - أخذ عزيز مقتدر ، ولم ينفعهم شيئا ما جمعوه من حطام الدنيا ، وما اكتسبوه من متاعها .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 134 .