سيد محمد طنطاوي
20
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قولهم : تعزز لحم الناقة ، إذا اشتد وقوى . وعزز المطر الأرض ، إذا قواها وشدها . وأرض عزاز ، إذا كانت صلبة قوية . ومفعول * ( فَعَزَّزْنا ) * محذوف لدلالة ما قبله عليه أي : فعززناهما برسول ثالث * ( فَقالُوا ) * أي الرسل الثلاثة لأصحاب القرية : * ( إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ) * لا إلى غيركم ، فأطيعونا فيما ندعوكم إليه من إخلاص العبادة للَّه - تعالى - ، ونبذ عبادة الأصنام . ثم حكى - سبحانه - ما دار بين الرسل وأصحاب القرية من محاورات فقال : * ( قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ، وما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ) * . أي : قال أصحاب القرية للرسل على سبيل الاستنكار والتطاول : أنتم لستم إلا بشرا مثلنا في البشرية ، ولا مزية لكم علينا ، وكأن البشرية في زعمهم تتنافى مع الرسالة ، ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : وما أنزل الرحمن من شيء مما تدعوننا إليه . ثم وصفوهم بالكذب فقالوا لهم : ما أنتم إلا كاذبون ، فيما تدعونه من أنكم رسل إلينا . وهكذا قابل أهل القرية رسل اللَّه ، بالإعراض عن دعوتهم وبالتطاول عليهم ، وبالإنكار لما جاؤوا به ، وبوصفهم بالكذب فيم يقولونه . ولكن الرسل قابلوا كل ذلك بالأناة والصبر ، شأن الواثق من صدقه ، فقالوا لأهل القرية : بُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ . وما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ . أي : قالوا لهم بثقة وأدب : ربنا - وحده - يعلم إنا إليكم لمرسلون ، وكفى بعلمه علما ، وبحكمه حكما ، وما علينا بعد ذلك بالنسبة لكم إلا أن نبلغكم ما كلفنا بتبليغه إليكم تبليغا واضحا ، لا غموض فيه ولا التباس . فأنت ترى أن الرسل لم يقابلوا سفاهة أهل القرية بمثلها ، وإنما قابلوا تكذيبهم لهم . بالمنطق الرصين ، وبتأكيد أنهم رسل اللَّه ، وأنهم صادقون في رسالتهم ، لأن قولهم * ( رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ) * جار مجرى القسم في التوكيد . وقولهم : * ( وما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) * تحديد للوظيفة التي أرسلهم اللَّه - تعالى - من أجلها . ولكن أهل القرية لم يقتنعوا بهذا المنطق السليم ، بل ردوا على الرسل ردا قبيحا ، فقالوا لهم : * ( إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ ، ولَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ) * والتطير : التشاؤم . أي قالوا في الرد عليهم : إنا تشاءمنا من وجودكم بيننا ، وكرهنا النظر إلى