سيد محمد طنطاوي
21
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجوهكم ، وإذا لم ترحلوا عنا ، وتكفوا عن دعوتكم لنا إلى ما لا نريده ، لنرجمنكم بالحجارة ، وليمسنكم منا عذاب شديد الألم قد ينتهى بقتلكم وهلاككم . قال صاحب الكشاف : قوله * ( تَطَيَّرْنا بِكُمْ ) * أي : تشاءمنا بكم ، وذلك أنهم كرهوا دينهم ، ونفرت منه نفوسهم ، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه ، واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم ، ويتشاءموا مما نفروا عنه وكرهوه ، فإن أصابهم خير أو بلاء ، قالوا : ببركة هذا وبشؤم هذا . . « 1 » . ولكن الرسل قابلوا هذا التهديد - أيضا - بالثبات ، والمنطق الحكيم فقالوا لهم : * ( طائِرُكُمْ مَعَكُمْ ، أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) * . أي : قال الرسل لأهل القرية : ليس الأمر كما ذكرتم من أننا سبب شؤمكم ، بل الحق أن شؤمكم معكم ، ومن عند أنفسكم ، بسبب إصراركم على كفركم ، وإعراضكم عن الحق الذي جئناكم به من عند خالقكم . وجواب الشرط لقوله : * ( أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ ) * محذوف ، والتقدير : أئن وعظتم وذكرتم بالحق ، وخوفتم من عقاب اللَّه . . تطيرتم وتشاءمتم . وقوله : * ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) * إضراب عما يقتضيه الاستفهام والشرط من كون التذكير سببا للشؤم . أي : ليس الأمر كما ذكرتم من أن وجودنا بينكم هو سبب شؤمكم ، بل الحق أنكم قوم عادتكم الإسراف في المعاصي ، وفي إيثار الباطل على الحق ، والغي على الرشد ، والتشاؤم على التيامن . ثم بين - سبحانه - بعد تلك المحاورة التي دارت بين أهل القرية وبين الرسل ، والتي تدل على أن أهل القرية كانوا مثلا في السفاهة والكراهة للخير والحق . بين - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين أهل القرية ، وبين رجل صالح منهم ساءه أن يرى من قومه تنكرهم لرسل اللَّه - تعالى - وتطاولهم عليهم ، وتهديدهم لهم بالرجم : فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 9 .