سيد محمد طنطاوي

170

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إنا وجدنا عبدنا أيوب صابرا على ما أصبناه به من بلاء ، ونعم العبد هو . إنه كثير الرجوع إلينا في كل أحواله . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من فضائل أيوب - عليه السلام - ومن النعم التي أنعم اللَّه - تعالى - بها عليه جزاء صبره وطاعته لربه . وبعد أن عرض - سبحانه - قصص داود وسليمان وأيوب بشيء من التفصيل . أتبع ذلك بالحديث عن عدد من الأنبياء على سبيل الإجمال ، فقال - تعالى - : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 45 إلى 48 ] واذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي والأَبْصارِ ( 45 ) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) وإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيارِ ( 47 ) واذْكُرْ إِسْماعِيلَ والْيَسَعَ وذَا الْكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأَخْيارِ ( 48 ) أي : واذكر - أيها الرسول الكريم - حال عبادنا إبراهيم وإسحاق ، ويعقوب . أصحاب القوة في الطاعة ، وأصحاب البصيرة المشرقة الواعية في أمور الدين . فالأيدى مجاز مرسل عن القوة ، والأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة على سبيل المجاز - أيضا - ويصح أن يكون المراد بقوله : * ( أُولِي الأَيْدِي والأَبْصارِ ) * أي : أصحاب الأعمال الجليلة ، والعلوم الشريفة ، فيكون ذكر الأيدي من باب ذكر السبب وإرادة المسبب ، والأبصار بمعنى البصائر ، لأن عن طريقها تكون العلوم النافعة . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( أُولِي الأَيْدِي والأَبْصارِ ) * يريد : أولى الأعمال والفكر ، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ، ولا يجاهدون في اللَّه ، ولا يفكرون أفكار ذوى الديانات ، ولا يستبصرون ، كأن هؤلاء في حكم الزمنى - أي المرضى - الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم . والمسلوبى العقول الذين لا استبصار بهم . وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال اللَّه ، ولا من المستبصرين في دين اللَّه ، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل ، مع كونهم متمكنين منهما « 1 » . .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 99 .