سيد محمد طنطاوي
171
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - أسباب وصفهم بتلك الأوصاف الكريمة ، فقال - تعالى - : * ( إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ . . . ) * . ومعنى : * ( أَخْلَصْناهُمْ ) * خالصين لطاعتنا وعبادتنا . والباء في قوله * ( بِخالِصَةٍ ) * للسببية . وخالصة اسم فاعل . والتنوين فيها للتفخيم ، وهي صفة لمحذوف . و * ( ذِكْرَى الدَّارِ ) * بيان لها بعد إبهامها للتفخيم . أو محلها النصب بإضمار أعنى . . أو الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أي : هي . و * ( ذِكْرى ) * مصدر مضاف لمفعوله ، وتعريف الدار للعهد . أي : الدار الآخرة . والمعنى : إنا جعلنا هؤلاء العباد - وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب - خالصين لطاعتنا وعبادتنا ، متبعين لأوامرنا ونواهينا ، لا تصافهم بخصلة خالصة من كل ما لا يرضينا ، وهي تذكرهم للدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب . وقرأ نافع * ( بِخالِصَةٍ ) * بدون تنوين على الإضافة لذكرى . من إضافة الصفة إلى الموصوف . أو المصدر لفاعله إن جعلت خالصة مصدرا كالعاقبة . أي : أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار . ثم أثنى عليهم - سبحانه - بثناء آخر فقال : * ( وإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيارِ ) * . أي : وإن هؤلاء العباد ، لهم عندنا ممن اصطفيناهم لحمل رسالتنا ، واخترناهم لتبليغ دعوتنا . ومن العباد الأخيار . أي : الذين يفضلون على غيرهم في المناقب الحميدة ، والصفات الكريمة . جمع خير - بإسكان الياء - أفعل تفضيل . ثم أثنى - سبحانه - على عدد آخر من عباده الصالحين فقال : * ( واذْكُرْ إِسْماعِيلَ والْيَسَعَ وذَا الْكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأَخْيارِ ) * . وإسماعيل هو ابن إبراهيم - عليهما السلام - ، ولم يذكر فيما سبق مع أبيه ومع أخيه إسحاق ، ومع ابن أخيه يعقوب ، اعتناء بشأنه ، وللإشارة إلى عراقته في الصبر وفي تحمل الشدائد . واليسع : هو ابن شافاط أو أخطوب : قيل استخلفه إلياس من بعده على بني إسرائيل ، ثم منحه اللَّه - تعالى - النبوة . وكانت وفاته في حوالي سنة 840 ق . م ودفن بالسامرة . وذا الكفل : هو ابن أيوب . بعثه اللَّه - تعالى - بعد أبيه ، وكان مقيما بالشام . والأكثرون على أنه نبي لذكره معهم .