سيد محمد طنطاوي
163
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ذلك الشيطان على كرسي سليمان ، ولم يعد لسليمان ملكه إلا بعد أن عثر على خاتمه . وقول بعضهم : إن سبب فتنة سليمان - عليه السلام - هو سجود إحدى زوجاته لتمثال أبيها الذي قتله سليمان في إحدى الحروب ، وقد بقيت على هذه الحال هي وجواريها أربعين ليلة ، دون أن تعلم سليمان بذلك . وقول بعضهم : إن سبب فتنة سليمان أنه ولد له ولد فخاف عليه من الشياطين ، فأمر السحاب بحفظه وتغذيته . ولكن هذا الولد وقع ميتا على كرسي سليمان ، فاستغفر سليمان ربه لأنه لم يعتمد عليه في حفظ ابنه . إلى غير ذلك من الأقوال الساقطة الباطلة ، التي تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - . وتتنافى - أيضا - مع كل عقل سليم ، ولا مستند لها إلا النقل عن الإسرائيليات وعن القصاص الذين يأتون بقصص ما أنزل اللَّه بها من سلطان « 1 » . قال أبو حيان - رحمه اللَّه - : نقل المفسرون في هذه الفتنة وفي إلقاء الجسد أقوالا يجب براءة الأنبياء منها ، يوقف عليها في كتبهم ، وهي مما لا يحل نقلها ، وهي إما من أوضاع اليهود ، أو الزنادقة ، ولم يبين اللَّه - تعالى - الفتنة ما هي ، ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان . وأقرب ما قيل فيه ، أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن في الحديث الذي قال فيه : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة . . والجسد الملقى هو المولود شق رجل . . « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي . . . ) * بيان لما قاله سليمان - عليه السلام - بعد الابتلاء والاختبار من اللَّه - تعالى - له . أي : قال سليمان - عليه السلام - يا رب اغفر لي ما فرط منى من ذنوب وزلات . . * ( وهَبْ لِي مُلْكاً ) * عظيما * ( لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) * أي : لا يحصل مثله لأحد من الناس من بعدي * ( إِنَّكَ أَنْتَ ) * يا إلهي * ( الْوَهَّابُ ) * أي : الكثير العطاء لمن تريد عطاءه . وقدم سليمان - عليه السلام - طلب المغفرة على طلب الملك ، للإشارة إلى أنها هي الأهم عنده . قال الإمام الرازي - رحمه اللَّه - : دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ، ثم بعدها طلب المملكة ، وأيضا الآية تدل على أن
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن جرير ج 23 ص 101 . والآلوسى ج 23 ص 200 وغيرهما . ( 2 ) راجع تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 7 ص 397 .