سيد محمد طنطاوي

164

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

طلب المغفرة من اللَّه - تعالى - سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ، ثم توسل به إلى طلب المملكة « 1 » . ولا يقال كيف طلب سليمان - عليه السلام - الدنيا والملك مع حقارتهما إلى جانب الآخرة وما فيها من نعيم دائم لأن سليمان - عليه السلام - ما طلب ذلك إلا من أجل خدمة دينه وإعلاء كلمة اللَّه في الأرض ، والتمكن من أداء الحقوق لأصحابها ، ونشر العدالة بين الناس ، وإنصاف المظلوم ، وإعانة المحتاج . وتنفيذ شرع اللَّه - تعالى - على الوجه الأكمل . فهو - عليه السلام - لم يطلب الملك للظلم أو البغي . . وإنما طلبه للتقوى به على تنفيذ شريعة اللَّه - تعالى - في الأرض . ولقد وضح الإمام القرطبي هذا المعنى فقال : كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا ، مع ذمها من اللَّه - تعالى - . . . ؟ فالجواب : أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق اللَّه - تعالى - وسياسة ملكه ، وترتيب منازل خلقه ، وإقامة حدوده . والمحافظة على رسومه وتعظيم شعائره ، وظهور عبادته ، ولزوم طاعته . . . وحوشي سليمان - عليه السلام - أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا . لأنه هو والأنبياء ، أزهد خلق اللَّه فيها ، وإنما سأل مملكتها للَّه . كما سأل نوح دمارها وهلاكها للَّه ، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك . ومعنى قوله * ( لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) * أي : أن يسأله . فكأنه سأل منع السؤال بعده ، حتى لا يتعلق به أمل أحد ، ولم يسأل منع الإجابة . . « 2 » . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَسَخَّرْنا لَه الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِه رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ) * للتفريع على ما تقدم من طلب سليمان من ربه أن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده . والتسخير : التذليل والانقياد . أي : دعانا - سليمان - عليه السلام والتمس منا أن نعطيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، فاستجبنا له دعاءه . وذللنا له الريح ، وجعلناها منقادة لأمره بحيث تجرى بإذنه رخية لينة ، إلى حيث يريدها أن تجرى . وقوله : * ( تَجْرِي ) * حال من الريح . وقوله * ( بِأَمْرِه ) * من إضافة المصدر لفاعله . أي : بأمره إياها . ولا تنافى بين هذه الآية وبين قوله - تعالى - في آية أخرى : ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِه إِلى الأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها . . . « 3 » لأن المقصود من الآيتين بيان أن

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 196 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 304 . [ . . . ] ( 3 ) سورة الأنبياء الآية 81 .