سيد محمد طنطاوي
162
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : « لأطوفن الليلة . . . » كناية عن الجماع . قالوا : ولعل المقصود . طوافه عليهن ابتداء من تلك الليلة ، ولا مانع من أن يستغرق طوافه بهن عدة ليال . وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن فتنة سليمان ، هي تركه تعليق ما طلبه على مشيئة اللَّه ، وأن عقابه على ذلك كان عدم تحقق ما طلبه . وهذا الرأي في تقديرنا هو الرأي الصواب في تفسير الآية الكريمة لأنه مستند إلى حديث صحيح ثابت في الصحيحين وفي غيرهما ، ولأنه يتناسب مع عصمة الأنبياء وسمو منزلتهم ، فإن النسيان الذي لا يترتب عليه ترك شيء من التكاليف التي كلفهم اللَّه - تعالى - بها جائز عليهم . وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - : ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه أن الوحي مكث فترة لم ينزل على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم لأنه نسي أن يقول - عندما سأله المشركون عن بعض الأشياء إن شاء اللَّه ، وقال سأجيبكم على ما سألتموني عنه غدا . « 1 » . ومن العلماء من آثر عدم تعيين الفتنة التي اختبر اللَّه - تعالى - بها سيدنا سليمان - عليه السلام - ، بتركه المشيئة ، فقال بعد أن ذكر الحديث السابق : وجائز أن تكون هذه الفتنة التي تشير إليها الآيات هنا وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق ، ولكن هذا مجرد احتمال . ثم قال : وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من اللَّه وفتنة لنبي اللَّه سليمان - عليه السلام - في شأن يتعلق بتصرفاته في الملك والسلطان ، كما يبتلى اللَّه أنبياءه ليوجههم ويرشدهم . ويبعد خطاهم عن الزلل ، وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع . وطلب المغفرة ، واتجه إلى اللَّه بالرجاء والدعاء . . « 2 » . ونرى أنه رأى لا بأس به ، وإن كنا نؤثر عليه الرأي السابق لاستناده في استنباط المراد من الفتنة هنا إلى الحديث الصحيح . هذا . وهناك أقوال أخرى ذكروها في المقصود بفتنة سليمان وبالجسد الذي ألقاه اللَّه على كرسي سليمان ، وهي أقوال ساقطة ، تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم السلام - . ومن هذه الأقوال قول بعضهم : إن الجسد الذي ألقى على كرسي سليمان ، عبارة عن شيطان تمثل له في صورة إنسان ، ثم أخذ من سليمان خاتمه الذي كان يصرف به ملكه . وقعد
--> ( 1 ) راجع تفسيرنا لسورة الكهف ص 498 . ( 2 ) راجع تفسير في ظلال القرآن ج 23 ص 100 .