سيد محمد طنطاوي

159

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والخير : يطلق كثيرا على المال الوفير ، كما في قوله - تعالى - : وإِنَّه لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ . والمراد به هنا : الخيل الصافنة الجيدة ، والعرب تسمى الخيل خيرا ، لتعلق الخير بها ، روى البخاري عن أنس - رضي اللَّه عنه - أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة » . و * ( عَنْ ) * هنا تعليلية . والمراد ب * ( ذِكْرِ رَبِّي ) * طاعته وعبادته والضمير في قوله * ( حَتَّى تَوارَتْ ) * يعود إلى الخيل الصافنات الجياد ، والمراد بالحجاب : ظلام الليل الذي يحجب الرؤية . والمعنى : فقال سليمان وهو يستعرض الخيل أو بعد استعراضه لها : إني أحببت استعراض الصافنات الجياد ، وأحببت تدريبها وإعدادها للجهاد ، من أجل ذكر ربي وطاعته وإعلاء كلمته ، ونصرة دينه ، وقد بقيت حريصا على استعراضها وإعدادها للقتال في سبيل اللَّه ، حتى توارت واختفت عن نظري بسبب حلول الظلام الذي يحجب الرؤية * ( رُدُّوها عَلَيَّ ) * أي : قال سليمان لجنده ردوا الصافنات الجياد علىّ مرة أخرى ، لأزداد معرفة بها ، وفهما لأحوالها . . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والأَعْناقِ ) * فصيحة تدل على كلام محذوف يفهم من السياق . و « طفق » فعل من أفعال الشروع يرفع الاسم وينصب الخبر ، واسمه ضمير يعود على سليمان . و « مسحا » مفعول مطلق لفعل محذوف . والسوق والأعناق : جمع ساق وعنق . أي : قال سليمان لجنده : ردوا الصافنات الجياد علىّ ، فردوها عليه ، فأخذ في مسح سيقانها وأعناقها إعجابا بها ، وسرورا بما هي عليه من قوة هو في حاجة إليها للجهاد في سبيل اللَّه - تعالى - . هذا هو التفسير الذي تطمئن إليه نفوسنا لهذه الآيات ، لخلوه من كل ما يتنافى مع سمو منزلة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - . ولكن كثيرا من المفسرين نهجوا نهجا آخر ، معتمدين على قصة ملخصها : أن سليمان - عليه السلام - جلس يوما يستعرض خيلا له ، حتى غابت الشمس دون أن يصلى العصر ، فحزن لذلك وأمر بإحضار الخيل التي شغله استعراضها عن الصلاة ، فأخذ في ضرب سوقها وأعناقها بالسيف ، قربة للَّه - تعالى - . فهم يرون أن الضمير في قوله - تعالى - * ( حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ) * يعود إلى الشمس . أي : حتى استترت الشمس بما يحجبها عن الأبصار . وأن المراد بقوله - تعالى - * ( فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والأَعْناقِ ) * الشروع في ضرب