سيد محمد طنطاوي
160
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
سوق الخيل وأعناقها بالسيف لأنها شغلته عن صلاة العصر . قال الجمل : * ( فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والأَعْناقِ ) * أي : جعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف . هذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين « 1 » . ولم يرتض الإمام الرازي - رحمه اللَّه - هذا التفسير الذي عليه أكثر المفسرين ، وإنما ارتضى أن الضمير في * ( تَوارَتْ ) * يعود إلى الصافنات الجياد وأن المقصود بقوله - تعالى - : * ( فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والأَعْناقِ ) * الإعجاب بها والمسح عليها بيده حبّا لها . . فقد قال ما ملخصه : إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم ، كما أنه كذلك في دين الإسلام ، ثم إن سليمان - عليه السلام - احتاج إلى الغزو . فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها . وذكر أنى لا أحبها لأجل الدنيا وإنما أحبها لأمر اللَّه ، وطلب تقوية دينه . وهو المراد من قوله : * ( عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ) * . ثم إنه - عليه السلام - أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي : غابت عن بصره . ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه ، فلما عادت طفق يمسح سوقها وأعناقها . والغرض من ذلك : التشريف لها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو . . . وإظهار أنه خبير بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها ، حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض . . « 2 » . وقال بعض العلماء نقلا عن ابن حزم : تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذ اشتغل بها عن الصلاة ، خرافة موضوعة . . قد جمعت أفانين من القول لأن فيها معاقبة خيل لا ذنب لها والتمثيل بها . وإتلاف مال منتفع به بلا معنى . ونسبة تضييع الصلاة إلى نبي مرسل . ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها . . وإنما معنى الآية أنه أخبر أنه أحب حب الخير ، من أجل ذكر ربه حتى توارت الشمس أو تلك الصافنات بحجابها . ثم أمر بردها . فطفق مسحا بسوقها وأعناقها بيده ، برابها ، وإكراما لها ، هذا هو ظاهر الآية الذي لا يحتمل غيره ، وليس فيها إشارة أصلا إلى ما ذكروه من قتل الخيل ، وتعطيل الصلاة . . « 3 » .
--> ( 1 ) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 573 وغيرها من كتب التفسير . ( 2 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 192 فقد أفاض وأجاد في تفسيره للآيات . ( 3 ) راجع تفسير القاسمي ج 14 ص 5101 .