سيد محمد طنطاوي

150

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

- سبحانه - : * ( وإِنَّ لَه عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ ) * . وببيان أنه - تعالى - قد جعله خليفة في الأرض . ومن الأحاديث التي وردت في فضله - عليه السلام - ما أخرجه البخاري في تاريخه أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم كان إذا ذكر داود ، وحدث عنه قال : « كان أعبد البشر » . وأخرجه الديلمي عن ابن عمر قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم « لا ينبغي لأحد أن يقول إني أعبد من داود » . 2 - أن قصة الخصمين اللذين تسورا على داود المحراب ، قصة حقيقية ، وأن الخصومة كانت بين اثنين من الناس في شأن غنم لهما ، وأنهما حين دخلا عليه بتلك الطريقة الغريبة التي حكاها القرآن الكريم ، فزع منها داود - عليه السلام - وظن أنهما يريدان الاعتداء عليه ، وأن اللَّه - تعالى - يريد امتحانه وثباته أمام أمثال هذه الأحداث . فلما تبين لداود بعد ذلك أن الخصمين لا يريدان الاعتداء عليه ، وإنما يريدان التحاكم إليه في مسألة معينة ، استغفر ربه من ذلك الظن السابق - أي ظن الاعتداء عليه فغفر اللَّه - تعالى - له . . والذي يتدبر الآيات الكريمة يراها واضحة وضوحا جليا في تأييد هذا المعنى . قال أبو حيان ما ملخصه - بعد أن ذكر جملة من الآراء - : والذي أذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين للمحراب كانوا من الإنس ، دخلوا عليه من غير المدخل ، وفي غير وقت جلوسه للحكم وأنه فزع منهم ظانا أنهم يغتالونه ، إذ كان منفردا في محرابه لعبادة ربه ، فلما اتضح له أنهم جاؤوا في حكومته ، وبرز منهم اثنان للتحاكم . . . وأن ما ظنه غير واقع ، استغفر من ذلك الظن ، حيث اختلف ولم يقع مظنونه ، وخر ساجدا منيبا إلى اللَّه - تعالى - فغفر اللَّه له ذلك الظن ، ولذلك أشار بقوله : * ( فَغَفَرْنا لَه ذلِكَ ) * ولم يتقدم سوى قوله - تعالى - : * ( وظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاه ) * ويعلم قطعا أن الأنبياء معصومون من الخطايا ، ولا يمكن وقوعهم في شيء منها ، ضرورة أننا لو جوزنا عليهم شيئا من ذلك لبطلت الشرائع ، ولم نثق بشيء مما يذكرون أنه أوحى اللَّه به إليهم ، فما حكى اللَّه - تعالى - في كتابه . يمر على ما أراده - تعالى - ، وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة ، طرحناه . . « 1 » . 2 - ومع أن ما ذكرناه سابقا ، وما نقلناه عن الإمام أبى حيان ، هو المعنى الظاهر من الآيات ، وهو الذي تطمئن إليه النفس ، لأنه يتناسب مع مكانة داود - عليه السلام - ، ومع ثناء اللَّه - تعالى - عليه وتكريمه له .

--> ( 1 ) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 7 ص 393 .