سيد محمد طنطاوي

151

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أقول مع كل ذلك ، إلا أننا وجدنا كثيرا من المفسرين عند حديثهم عن قصة الخصوم الذين تسوروا على داود المحراب ، يذكرون قصصا في نهاية النكارة ، وأقوالا في غاية البطلان والفساد . فمثلا نرى ابن جرير وغيره يذكرون قصة مكذوبة ملخصها : « أن داود - عليه السلام - كان يصلى في محرابه . . ثم تطلع من نافذة المكان الذي كان يصلى فيه ، فرأى امرأة جميلة فأرسل إليها فجاءته ، فسألها عن زوجها فأخبرته بأن زوجها ، اسمه » أوريا « وأنه خرج مع الجيش الذي يحارب الأعداء . . فأمر داود - عليه السلام - قائد الجيش أن يجعله في المقدمة لكي يكون عرضة للقتل . . وبعد قتله تزوج داود بتلك المرأة . . « 1 » . ونرى صاحب الكشاف بعد أن يذكر هذه القصة ، ثم يعلق عليها بقوله : « فهذا ونحوه مما يقبح أن يحدّث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أبناء المسلمين ، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء . . » نراه يذكر معها قصصا أخرى ملخصها : أن داود - عليه السلام - لم يعمل على قتل « أوريا » وإنما سأله أن يتنازل له عن امرأته ، فانصاع لأمره وتنازل له عنها . . أو أنه خطبها بعد أن خطبها « أوريا » . فآثر أهلها داود على « أوريا » . قال صاحب الكشاف : كان أهل زمان داود - عليه السلام - يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته ، فيتزوجها إذا أعجبته ، وكان لهم عادة في المواساة بذلك قد اعتادوها . . فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له « أوريا » . فأحبها ، فسأله النزول عنها ، فاستحيا أن يرده ، ففعل ، فتزوجها ، وهي أم سليمان - عليه السلام - . . وقيل : خطبها « أوريا » ثم خطبها داود فآثر أهلها داود على أوريا . . « 2 » . والذي نراه أن هذه الأقوال وما يشبهها عارية عن الصحة ، وينكرها النقل والعقل ، ولا يليق بمؤمن أن يقبل شيئا منها . . ينكرها النقل : لأنها لم تثبت من طريق يعتد به ، بل الثابت أنها مكذوبة . قال ابن كثير : قد ذكر المفسرون هاهنا قصة ، أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده ، لأنه من رواية يزيد الرقاشي ، عن أنس - ويزيد وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة . . « 3 » .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن جرير ج 23 ص 93 ، وتفسير القرطبي ج 15 ص 161 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 80 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 51 .