سيد محمد طنطاوي
149
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فاعل . والتاء فيه للمبالغة . أي : يا داود إنا جعلناك - بفضلنا ومنتنا - خليفة ونائبا عنا في الأرض ، لتتولى سياسة الناس ، ولترشدهم إلى الصراط المستقيم . والجملة الكريمة مقولة لقول محذوف معطوفة على ما سبقتها . أي : فغفرنا له ذلك وقلنا له يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض . ويصح أن تكون مستأنفة لبيان مظاهر الزلفى والمكانة الحسنة التي وهبها - سبحانه - لداود ؟ حيث جعله خليفة في الأرض . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الْهَوى . . . ) * للتفريع ، أو هي جواب لشرط مقدر . والهوى : ميل النفس إلى رغباتها بدون تحر للعدل والصواب . أي : إذا كان الأمر كما أخبرناك فاحكم - يا داود - بين الناس بالحكم الحق الذي أرشدك اللَّه - تعالى - إليه ، وواظب على ذلك في جميع الأزمان والأحوال : ولا تتبع هوى النفس وشهواتها ، فإن النفس أمارة بالسوء . وقوله - سبحانه - * ( فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه . . . ) * بيان للمصير السيئ الذي يؤدى إليه اتباع الهوى في الأقوال والأحكام . وقوله * ( فَيُضِلَّكَ ) * منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية ، على أنه جواب للنهي السابق . أي : ولا تتبع الهوى ، فإن اتباعك له ، يؤدى بك إلى الضلال عن طريق الحق ، وعن مخالفة شرع اللَّه - تعالى - ودينه . ثم بين - سبحانه - عاقبة الذين يضلون عن سبيله فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ، لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ) * . أي : إن الذين يضلون عن دين اللَّه وعن طريقه وشريعته ، بسبب اتباعهم للهوى ، لهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا اللَّه - تعالى - لأنهم تركوا الاستعداد ليوم الحساب ، وما فيه من ثواب وعقاب . هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتي : 1 - سمو منزلة داود - عليه السلام - عند ربه ، فقد افتتحت هذه الآيات ، بأن أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يتذكر ما حدث لأخيه داود . ليكون هذا التذكير تسلية له عما أصابه من المشركين وعونا له على الثبات والصبر . ثم وصف - سبحانه - عبده داود بأنه كان قويا في دينه ، ورجاعا إلى ما يرضى ربه ، وأنه - سبحانه - قد وهبه نعما عظيمة ، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب . ثم ختمت هذه الآيات - أيضا - بالثناء على داود - عليه السلام - حيث قال