سيد محمد طنطاوي

148

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولفظ « قليل » خبر مقدم و « ما » مزيدة للإبهام وللتعجب من قلتهم . و « هم » مبتدأ مؤخر . فكأنه - سبحانه - يقول : ما أقل هؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات ويحرصون على إعطاء كل ذي حق حقه ، والجملة الكريمة اعتراض تذييلى . وبهذا نرى أن داود - عليه السلام - قد قضى بين الخصمين ، بما يحق الحق ويبطل الباطل . ثم بين - سبحانه - ما حاك بنفس داود - عليه السلام - بعد أن دخل عليه الخصمان ، وبعد أن حكم بينهما بالحكم السابق فقال : * ( وظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاه ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّه وخَرَّ راكِعاً وأَنابَ ) * . والظن معناه : ترجيح أحد الأمرين على الآخر . وفتناه : بمعنى امتحناه واختبرناه وابتليناه ، مأخوذ من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار . أي : وظن داود - عليه السلام - أن دخول الخصمين عليه بهذه الطريقة ، إنما هو لأجل الاعتداء عليه . وأن ذلك لون من ابتلاء اللَّه - تعالى - له ، وامتحانه لقوة إيمانه ، ولكن لما لم يتحقق هذا الظن ، وإنما الذي تحقق هو القضاء بينهما بالعدل ، استغفر ربه من ذلك الظن ، « وخر راكعا » أي : ساجدا للَّه - تعالى - وعبر عنه بالركوع لأنه في كل منهما انحناء وخضوع للَّه - عز وجل - « وأناب » أي : ورجع داود إلى اللَّه - تعالى - بالتوبة وبالمداومة على العبادة والطاعة . واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( فَغَفَرْنا لَه ذلِكَ . . . ) * يعود إلى الظن الذي استغفر منه ربه ، وهو ظنه بأن حضور الخصمين إليه بهذه الطريقة غير المألوفة ، القصد منها الاعتداء عليه ، فلما ظهر له أنهما حضرا إليه في خصومة بينهما ليحكم فيها ، استغفر ربه من ذلك الظن السابق ، فغفر اللَّه - تعالى - له . فقوله : - تعالى - : * ( فَغَفَرْنا لَه ذلِكَ ) * أي : فغفرنا له ذلك الظن الذي استغفر منه . . * ( وإِنَّ لَه عِنْدَنا لَزُلْفى ) * أي : لقربة منا ومكانة سامية * ( وحُسْنَ مَآبٍ ) * أي : وحسن مرجع في الآخرة وهو الجنة . ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ، بتلك التوجيهات الحكيمة ، والآداب القويمة ، التي وجهها - سبحانه - إلى كل حاكم في شخص داود - عليه السلام - فقال : * ( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ . . ) * . والخليفة : هو من يخلف غيره وينوب منابه . فهو فعيل بمعنى