سيد محمد طنطاوي
147
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعدم اعتراضه على قوله . . أمام كل ذلك . لم يلبث أن قال داود في حكمه : * ( لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِه . . ) * . واللام في قوله : * ( لَقَدْ . . . ) * جواب لقسم محذوف . وإضافة « سؤال » إلى « نعجتك » من إضافة المصدر إلى مفعوله ، والفاعل محذوف . أي : بسؤاله ، كما في قوله - تعالى - : لا يَسْأَمُ الإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ أي : من دعائه . وقوله * ( نِعاجِه ) * متعلق بسؤال على تضمينه معنى الضم . أي : قال داود - عليه السلام - بعد فراغ المدعى من كلامه ، وبعد إقرار المدعى عليه بصدق أخيه فيما ادعاه - واللَّه إن كان ما تقوله حقا - أيها المدعى - فإن أخاك في هذه الحالة يكون قد ظلمك بسبب طلبه منك أن تتنازل له عن نعجتك لكي يضمها إلى نعاجه الكثيرة . وإنما قلنا إن داود - عليه السلام - قد قال ذلك بعد إقرار المدعى عليه بصحة كلام المدعى ، لأنه من المعروف أن القاضي لا يحكم إلا بعد سماع حجة الخصوم أو الخصمين حتى يتمكن من الحكم بالعدل . ولم يصرح القرآن بأن داود - عليه السلام - قد قال حكمه بعد سماع كلام المدعى عليه ، لأنه مقرر ومعروف في كل الشرائع ، وحذف ما هو مقرر ومعلوم جائز عند كل ذي عقل سليم . ثم أراد داود - عليه السلام - وهو الذي آتاه اللَّه الحكمة وفصل الخطاب - أراد أن يهون المسألة عن نفس المشتكى ، وأن يخفف من وقع ما قاله أخوه الغنى له ، وما فعله معه ، فقال : * ( وإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ . . . ) * . أي : قال داود للمشتكى - على سبيل التسلية له - : وإن كثيرا من الخلطاء ، أي الشركاء - جمع خليط ، وهو من يخلط ماله بمال غيره . * ( لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ) * أي : ليعتدى بعضهم على بعض ، ويطمع بعضهم في مال الآخر * ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) * فإنهم لا يفعلون ذلك لقوة إيمانهم ، ولبعدهم عن كل ما لا يرضى خالقهم . فالجملة الكريمة منصوبة المحل على الاستثناء ، لأن الكلام قبلها تام موجب . وقوله : * ( وقَلِيلٌ ما هُمْ ) * بيان لقلة عدد المؤمنين الصادقين الذين يعدلون في أحكامهم .