سيد محمد طنطاوي
146
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - ما قاله أولئك الخصوم لداود عندما شاهدوا عليه أمارات الوجل والفزع ، فقال : * ( قالُوا لا تَخَفْ . خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ، فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ ولا تُشْطِطْ ، واهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ) * . . والبغي : الجور والظلم . . . وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد . والشطط : مجاوزة الحد في كل شيء . يقال : شط فلان على فلان في الحكم واشتط . . إذا ظلم وتجاوز الحق إلى الباطل . وقوله : * ( خَصْمانِ ) * خبر لمبتدأ محذوف أي : نحن خصمان . والجملة استئناف معلل للنهي في قولهم : « لا تخف » . أي : قالوا لداود : لا تخف ، نحن خصمان بغى بعضنا على بعض ، فاحكم بيننا بالحكم الحق ، ولا تتجاوزه إلى غيره ، * ( واهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ) * أي : وأرشدنا إلى الطريق الوسط ، وهو طريق الحق والعدل . وإضافة سواء الصراط ، من إضافة الصفة إلى الموصوف . ثم أخذا في شرح قضيتهما فقال أحدهما : « إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة ، فقال أكفلنيها وعزنى في الخطاب » . والمراد بالأخوة هنا : الأخوة في الدين أو في النسب ، أو فيهما وفي غيرهما كالصحبة والشركة . والنعجة : الأنثى من الضأن . وتطلق على أنثى البقر . وقوله : * ( أَكْفِلْنِيها ) * أي : ملكني إياها ، وتنازل لي عنها ، بحيث تكون تحت كفالتى وملكيتى كبقية النعاج التي عندي ، ليتم عددها مائة . وقوله : * ( وعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ) * أي : غلبني في المحاجة والمخاطبة لأنه أفصح وأقوى منى . . يقال : فلان عز فلانا في الخطاب ، إذا غلبه . ومنه قولهم في المثل : من عزّ بزّ . أي : من غلب غيره سلبه حقه . أي : قال أحدهما لداود - عليه السلام - : إن هذا الذي يجلس معي للتحاكم أمامك أخي . وهذا الأخ له تسع وتسعون نعجة ، أما أنا فليس لي سوى نعجة واحدة ، فطمع في نعجتى وقال لي : « أكفلنيها » أي : ملكنيها وتنازل عنها « وعزنى في الخطاب » . أي : وغلبني في مخاطبته لي ، لأنه أقوى وأفصح منى . وأمام هذه القضية الواضحة المعالم ، وأمام سكوت الأخ المدعى عليه أمام أخيه المدعى ،