سيد محمد طنطاوي
131
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
و * ( لاتَ ) * هي لا المشبهة بليس - وهذا رأى سيبويه - فهي حرف نفى زيدت فيه التاء لتأكيد هذا النفي . وأشهر أقوال النحويين فيها أنها تعمل عمل ليس ، وأنها لا تعمل إلا في الحين خاصة ، أو في لفظ الحين ونحوه من الأزمنة ، كالساعة والأوان ، وأنها لا بد أن يحذف اسمها أو خبرها ، والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب . والحين : ظرف مبهم يتخصص بالإضافة . وقوله : * ( مَناصٍ ) * مصدر ميمى بمعنى الفرار والخلاص . يقال : ناص فلان من عدوه - من باب قال - فهو ينوص نوصا ومناصا ، إذا فر منه ، وهرب من لقائه . أو بمعنى النجاة والفوت . يقال : ناصه ينوصه إذا فاته ونجا منه . والمراد بقوله - تعالى - : * ( أَهْلَكْنا ) * الشروع في الإهلاك بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك * ( فَنادَوْا ) * إذ من المعروف أن من هلك بالفعل لا يستغيث ولا ينادى . والمعنى : إن هؤلاء الكافرين المستكبرين عن طاعتنا وعبادتنا ، قد علموا أننا أهلكنا كثيرا من السابقين أمثالهم ، وأن هؤلاء السابقين عندما رأوا أمارات العذاب ومقدماته ، جأروا إلينا بالدعاء أن نكشفه عنهم ، واستغاثوا استغاثة جاءت في غير وقتها ، ولقد قلنا لهم عندما استغاثوا بنا عند فوات الأوان : * ( ولاتَ حِينَ مَناصٍ ) * . أي : ليس الوقت الذي استغثتم بنا فيه وقت نجاة وفرار من العقاب ، بل هو وقت تنفيذ العقوبة فيكم ، بعد أن تماديتم في كفركم ، وأعرضتم عن دعوة الحق بدون إنابة أو ندم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّه وَحْدَه ، وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِه مُشْرِكِينَ . فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ . لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ « 2 » . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أكاذيب المشركين الناتجة عن استكبارهم وشقاقهم فقال : * ( وعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ، وقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ . أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ . وانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ) * . .
--> ( 1 ) سورة غافر الآيتان 84 - 85 . ( 2 ) سورة المؤمنون الآيتان 64 - 65 .