سيد محمد طنطاوي
132
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها : أن جماعة من قريش اجتمعوا في نفر من مشيخة قريش ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى أبى طالب ، لنكلمه في شأن ابن أخيه . . . فلما دخلوا على أبى طالب قالوا له : أنت كبيرنا وسيدنا ، فأنصفنا من ابن أخيك ، فمره فليكف عن شتم آلهتنا ، وندعه وإلهه . فقال أبو طالب للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلم يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قريش ، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك . فقال صلَّى اللَّه عليه وسلم : « يا عم ، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم ؟ قال : وإلام تدعوهم ؟ قال : أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ، ويملكون بها العجم » . فقال أبو جهل من بين القوم : ما هي وأبيك ؟ لنعطينها لك وعشرة أمثالها ، فقال صلَّى اللَّه عليه وسلم : « تقولون : لا إله إلا اللَّه » . فنفر أبو جهل وقال : سلنا غير هذا . فقال صلَّى اللَّه عليه وسلم : « لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ، ما سألتكم غيرها » . فقاموا غضابا . وقالوا : واللَّه لنشتمنك وإلهك الذي أرسلك بهذا . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وعَجِبُوا . . . ) * مأخوذ من العجب ، وهو تغير في النفس من أمر لا ترتاح إليه ، وتخفى لديها أسبابه . أي : وعجب هؤلاء الكافرون من مجيء منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك . ويأمرهم بعبادة اللَّه - تعالى - وحده . * ( وقالَ ) * هؤلاء * ( الْكافِرُونَ ) * عندما دعاهم الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم إلى الدين الحق . * ( هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ ) * أي : قالوا : هذا الرسول ساحر لأنه يأتينا بخوارق لم نألفها ، وكذاب فيما يسنده إلى اللَّه - تعالى - من أنه - سبحانه - أرسله إلينا . وقال - سبحانه - : * ( وقالَ الْكافِرُونَ ) * بالإظهار دون الإضمار ، لتسجيل الكفر والجحود عليهم . وللإيذان بأن كفرهم هو الباعث لهم على وصف الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم بما هو منزه عنه من السحر والكذب . ثم أضافوا إلى هذا القول الباطل ، أقوالا أخرى لا تقل عن غيرها في البطلان والفساد . فقالوا - كما حكى القرآن - : * ( أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ) * .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 46 .