سيد محمد طنطاوي

103

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الجزاء نجزى المحسنين ، إنه - عليه السلام - من عبادنا الصادقين في إيمانهم . ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر فضله على نبيه إبراهيم فقال : * ( وبَشَّرْناه بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ . وبارَكْنا عَلَيْه وعَلى إِسْحاقَ ، ومِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِه مُبِينٌ ) * . أي : ومن مظاهر تكريمنا لإبراهيم ، أننا بشرناه بولد آخر هو إسحاق ، الذي جعلناه نبيا من أنبيائنا الصالحين لحمل رسالتنا ، وأفضنا على إبراهيم وعلى إسحاق الكثير من بركاتنا الدينية والدنيوية ، بأن جعلنا عددا كبيرا من الأنبياء من نسلهما . ومع ذلك فقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من ذريتهما من هو محسن في قوله وعمله ، ومن هو ظالم لنفسه بالكفر والمعاصي ظلما واضحا بينا ، وسنجازى كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب . هذا ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتي : 1 - أن الرسل جميعا قد جاؤوا من عند اللَّه - تعالى - بدين واحد في أصوله ، وأن كل واحد منهم قد سار على نهج سابقه في الدعوة إلى وحدانية اللَّه ، وإلى مكارم الأخلاق ، وقد بين - سبحانه - في مطلع هذه القصة ، أن إبراهيم كان من شيعة نوح - عليه السلام - أي : من أتباعه الذين ساروا على سنته في دعوة الناس إلى عبادة اللَّه وحده . وقد أمر - عز وجل - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يقتدى بإخوانه السابقين من الأنبياء ، فقال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه . 2 - أن تعاطى الحيل الشرعية من أجل إزالة المنكر ، أمر مشروع ، فإن إبراهيم - عليه السلام - لكي يقضى على الأصنام ، اعتذر لقومه عن الخروج معهم في يوم عيدهم ، وقال لهم : إني سقيم - بعد أن نظر في النجوم . وكان مقصده من وراء ذلك ، أن يختلى بالأصنام ليحطمها ، ويثبت لقومه أنها لا تصلح للألوهية . 3 - أن سنة اللَّه - تعالى - قد اقتضت أن يراعى - بفضله وكرمه - عباده المخلصين ، وأن ينصرهم على أعدائهم ، الذين يبيتون لهم الشرور والسوء . ونرى ذلك جليا في هذه القصة ، فقد أضمر الكافرون لإبراهيم الكيد والإهلاك . فأنجاه اللَّه - تعالى - من مكرهم ، كما قال - تعالى - : * ( فَأَرادُوا بِه كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الأَسْفَلِينَ ) * . 4 - أن على المؤمن إذا لم يتمكن من نشر دعوة الحق في مكان معين أن ينتقل منه إلى مكان