سيد محمد طنطاوي

104

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

آخر متى كان قادرا على ذلك . وهذا ما فعله إبراهيم - عليه السلام - فقد قال لقومه بعد أن يئس من صلاحهم ، وبعد أن نجاه اللَّه من كيدهم : * ( إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) * . 5 - أن الدعاء متى صدر من نفس عامرة بالإيمان والتقوى ، ومن قلب سليم من الهوى . . كان جديرا بالإجابة . فلقد تضرع إبراهيم إلى ربه أن يرزقه الذرية الصالحة ، فأجاب اللَّه دعاءه . كما حكى - سبحانه - ذلك في قوله : * ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ، فَبَشَّرْناه بِغُلامٍ حَلِيمٍ ) * . ثم قال - سبحانه - بعد ذلك : * ( وبَشَّرْناه بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) * . 6 - أن إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - قد ضربا أروع الأمثال في صدق الإيمان ، وفي الاستسلام لأمر اللَّه - تعالى - وفي الرضاء بقضائه . فكافأهما - عز وجل - على ذلك مكافأة جزيلة ، بأن جعل الذكر الحسن باقيا لإبراهيم إلى يوم القيامة ، وبأن افتدى الذبيح بذبح عظيم . قال - تعالى - : * ( وفَدَيْناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وتَرَكْنا عَلَيْه فِي الآخِرِينَ . سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ . كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّه مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) * . 7 - أن الذبيح الذي ورد ذكره في هذه القصة ، والذي افتداه اللَّه - تعالى - بذبح عظيم ، هو إسماعيل - عليه السلام - وعلى ذلك سار جمهور العلماء ، ومن أدلتهم على ما ذهبوا إليه ما يأتي : ( أ ) أن سياق القصة يدل دلالة واضحة على أن الذبيح إسماعيل ، لأن اللَّه - تعالى - حكى عن إبراهيم أنه تضرع إليه - تعالى - بقوله : * ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) * فبشره - سبحانه - * ( بِغُلامٍ حَلِيمٍ ) * ، وهذا الغلام عندما بلغ السن التي يمكنه معها مساعدة أبيه في أعماله . قال له أبوه : * ( يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى ) * ثم افتدى اللَّه - تعالى - هذا الغلام بذبح عظيم . ثم قال - تعالى - بعد كل ذلك : * ( وبَشَّرْناه بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) * . وهذا يدل على أن المبشر به الأول وهو إسماعيل ، غير المبشر به الثاني وهو إسحاق . ( ب ) أن البشارة بمولد إسحاق - عليه السلام - قد جاء الحديث عنها مفصلا في سورة