سيد محمد طنطاوي
97
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
إرادته - سبحانه - وتحرك السحاب وتنشره من مكان إلى آخر . * ( فَيَبْسُطُه فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ) * : أي فيبسط اللَّه - تعالى - هذا السحاب في طبقات الجو ، بالكيفية التي يختارها - سبحانه - ويريدها ، بأن يجعله تارة متكاثفا ، وتارة متناثرا ، وتارة من جهة الشمال ، وتارة من جهات غيرها . * ( ويَجْعَلُه كِسَفاً ) * أي : ويجعله قطعا بعضها فوق بعض تارة أخرى . والكسف : جمع كسفه ، وهي القطعة من السحاب . * ( فَتَرَى الْوَدْقَ ) * أي : المطر * ( يَخْرُجُ مِنْ خِلالِه ) * أي يخرج ويتساقط من خلال هذا السحاب ، ومن بين ذراته . * ( فَإِذا أَصابَ بِه ) * ، أي : بهذا المطر * ( مَنْ يَشاءُ ) * إصابته به * ( مِنْ عِبادِه ) * بأن ينزله على أراضيهم وعلى بلادهم * ( إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) * أي : يفرحون بذلك ، لأنه يكون سببا في حياتهم وحياة دوابهم وزروعهم . . وأعرف الناس بنعمة المطر ، أولئك الذين يعيشون في الأماكن البعيدة عن الأنهار . كأهل مكة ومن يشبهونهم ممن تقوم حياتهم على مياه الأمطار . ثم بين - سبحانه - حالهم قبل نزول تلك الأمطار عليهم فقال : * ( وإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِه لَمُبْلِسِينَ ) * . وإن مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن المحذوف ، والضمير في * ( يُنَزَّلَ ) * يعود للمطر ، وفي قوله * ( مِنْ قَبْلِه ) * يعود لنزول المطر - أيضا - على سبيل التأكيد . وقوله : * ( لَمُبْلِسِينَ ) * خبر كان . والإبلاس : اليأس من الخير ، والسكوت ، والانكسار غما وحزنا . يقال : أبلس الرجل ، إذا سكت على سبيل اليأس والذل والانكسار . أي : هم عند نزول الأمطار يستبشرون ويفرحون ، ولو رأيت حالهم قبل نزول الأمطار لرأيتهم في غاية الحيرة والقنوط والإبلاس ، لشدة حاجتهم إلى الغيث الذي طال انتظارهم له وتطلعهم إليه دون أن ينزل . قال صاحب الكشاف : وقوله * ( مِنْ قَبْلِه ) * من باب التكرير والتوكيد ، كقوله - تعالى - : فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها « 1 » « ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد ، فاستحكم يأسهم ، وتمادى إبلاسهم ، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك » « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الحشر الآية 17 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 485 .