سيد محمد طنطاوي

98

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم لفت - سبحانه - أنظار الناس إلى ما يترتب على نعمة المطر من آثار عظيمة فقال : * ( فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّه . . ) * والفاء للدلالة على سرعة الانتقال من حالة اليأس إلى الاستبشار . أي : فانظر - أيها العاقل - نظرة تعقل واتعاظ واستبصار ، إلى الآثار المترتبة على نزول المطر ، وكيف أن نزوله حول النفوس من حالة الحزن إلى حالة الفرح ، وجعل الوجوه مستبشرة بعد أن كانت عابسة يائسة . وقوله - تعالى - : * ( كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) * في محل نصب على تقدير الخافض . أي : فانظر إلى آثار رحمة اللَّه بعد نزول المطر ، وانظر وتأمل كيف يحيى اللَّه - تعالى - بقدرته ، الأرض بعد موتها بأن يجعلها خضراء ويانعة ، بعد أن كانت جدباء قاحلة . واسم الإشارة في قوله - تعالى - * ( إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى ) * يعود على اللَّه - تعالى - . أي : إن ذلك الإله العظيم الذي أحيا الأرض بعد موتها ، لقادر على إحياء الموتى ، إذ لا فرق بينهما بالنسبة لقدرة اللَّه التي لا يعجزها شيء . * ( وهُوَ ) * - سبحانه - * ( عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * ومن جملة الأشياء المقدور عليها ، إحياء الموتى . وهكذا يسوق القرآن الكريم الأدلة على البعث ، بأسلوب منطقي ، منتزع من واقع الناس ، ومن المشاهد التي يرونها في حياتهم . وبعد أن صور - سبحانه - أحوال الناس عند رؤيتهم للرياح التي تثير السحب المحملة بالأمطار ، وأنهم عند رؤيتها يفرحون ويستبشرون . بعد أن صور ذلك بأسلوب بديع ، أتبع ذلك بتصوير حالهم عندما يرون ريحا تحمل لهم الرمال والأتربة ، وتضر بمزروعاتهم فقال - تعالى - * ( ولَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْه مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِه يَكْفُرُونَ ) * . والضمير في « رأوه » يعود إلى النبات المفهوم من السياق . أي : هذا حال الناس عندما يرون الرياح التي تحمل لهم الأمطار ، أما إذا أرسلنا عليهم ريحا معها الأتربة والرمال ، فرأوا نباتهم وزروعهم قد اصفرت واضمحلت وأصابها ما يضرها أو يتلفها . . فإنهم يظلون من بعد إرسال تلك الريح عليهم ، يكفرون بنعم اللَّه ، ويجحدون آلاءه السابقة ، ويقابلون ما أرسلناه عليهم بالسخط والضيق ، لا بالاستسلام لقضائنا ، وملازمة طاعتنا . قال الآلوسي ما ملخصه : واللام في قوله : * ( ولَئِنْ ) * موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط ، والفاء في « فرأوه » فصيحة ، واللام في قوله « لظلوا » لام جواب القسم الساد مسد الجوابين ، والماضي بمعنى المستقبل . . وفيما ذكر - سبحانه - من ذمهم على عدم تثبتهم ما لا يخفى ، حيث كان من الواجب عليهم أن يتوكلوا على اللَّه - تعالى - في كل حال ، ويلجئوا إليه بالاستغفار ، إذا احتبس منهم المطر ، ولا ييأسوا من روح اللَّه - تعالى -