سيد محمد طنطاوي
96
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( ولِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِه ، ولِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِه ، ولِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه . . ) * بيان للفوائد التي تعود على الناس من إرسال الرياح التي تعقبها الأمطار ، وهو متعلق بقوله * ( يُرْسِلَ ) * . أي : يرسل الرياح مبشرات بالأمطار ويرسلها ليمنحكم من رحمته الخصب والنماء لزرعكم ، ولتجرى الفلك عند هبوبها في البحر بإذنه - تعالى - ولتبتغوا أرزاقكم من فضله - سبحانه - عن طريق الأسفار ، والانتقال من مكان إلى آخر ، ولكي تشكروا اللَّه - تعالى - على هذه النعم : فإنكم إذا شكرتموه - سبحانه - على نعمه زادكم منها . وقوله - تعالى - : لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ . . . كلام معترض بين الحديث عن نعمة الرياح ، لتسلية الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما لحقه من قومه من أذى . أي ولقد أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - رسلا كثيرين ، إلى قومهم ليهدوهم إلى الرشد ، وجاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات التي تدل على صدقه . وقوله انْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا معطوف على كلام محذوف . أي : أرسلناهم بالحجج الواضحات ، فمن أقوامهم من آمن بهم ، ومنهم من كذبهم ، فانتقمنا من المكذبين لرسلهم . كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ أي : وكان نصر المؤمنين حقا أوجبناه على ذاتنا ، فضلا منا وكرما ، وتكريما وإنصافا لمن آمن بوحدانيتنا ، وأخلص العبادة لنا . « وحقا » خبر كان ، و « نصر المؤمنين » اسمها و « علينا متعلق بقوله حقا . قال ابن كثير : قوله كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ هو حق أوجبه على نفسه الكريمة ، تكرما وتفضلا ، كقوله : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِه الرَّحْمَةَ . وعن أبي الدرداء قال : سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه ، إلا كان حقا على اللَّه أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة : ثم تلا صلَّى اللَّه عليه وسلم هذه الآية » « 1 » . ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن الرياح وما يترتب عليها من منافع فتقول : * ( اللَّه الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ ) * بقدرته ومشيئته . * ( فَتُثِيرُ سَحاباً ) * أي : هذه الرياح التي يرسلها اللَّه - تعالى - تتحرك في الجو وفق
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 328 .