سيد محمد طنطاوي
80
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
شيء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها ، وتعتذرون للصانع إذا خطئ في بعض ما ينشئه بقولكم : أول الغزل أخرق ، وتسمون الماهر في صناعته معاودا ، تعنون أنه عاودها كرة بعد أخرى ، حتى مرن عليها وهانت عليه . فإن قلت لم أخرت الصلة في قوله : * ( وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ) * وقدمت في قوله هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ؟ قلت . هناك قصد الاختصاص وهو محزه ، فقيل : هو عليه هين ، وان كان مستصعبا عندكم أن يولد بين همل - أي : شيخ فان - وعاقر . وأما هنا فلا معنى للاختصاص ، كيف والأمر مبنى على ما يعقلون ، من أن الإعادة أسهل من الابتداء ، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى . . » « 1 » . ومنهم من يرى أن أهون هنا بمعنى هين ، أي : إرجاعكم إلى الحياة بعد موتكم هين عليه . والعرب تجعل أفعل بمعنى فاعل في كثير من كلامهم ، ومنه قول الشاعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول أي : بنى لنا بيتا دعائمه عزيزة طويلة ومنه قولهم : اللَّه أكبر أي : كبير . وقوله - تعالى - : * ( ولَه الْمَثَلُ الأَعْلى فِي السَّماواتِ والأَرْضِ . . ) * أي : وله - سبحانه - الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله ، لا في السماوات ولا في الأرض ، إذ لا يشاركه أحد في ذاته أو صفاته فهو - سبحانه - ليس كمثله شيء . * ( وهُوَ الْعَزِيزُ ) * الذي يغلب ولا يغلب * ( الْحَكِيمُ ) * في كل أقواله وأفعاله وتصرفاته . وبعد هذا التطواف المتنوع في آفاق الأنفس ، وفي أعماق هذا الكون ، ضرب - سبحانه - مثلا لا مجال للجدل فيه ، لوضوحه واعتماده على المنطق السليم ، وأمر رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يمضى في طريقه المستقيم ، كما أمر المؤمنين بأن يلتجئوا إليه - سبحانه - وحده ، وأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه ، فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 456 .