سيد محمد طنطاوي

55

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : * ( ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ، وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ ، لَيَقُولُنَّ اللَّه . . ) * بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو اللَّه - تعالى - . أي : ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين ، من الذي أوجد هذه السماوات وهذه الأرض ، ومن الذي ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر ، ليقولن بدون تردد : اللَّه - تعالى - هو الذي فعل ذلك بقدرته . وقوله - سبحانه - : * ( فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * تعجيب من تناقضهم في أفعالهم ، ومن انحراف في تفكيرهم ، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم . أي : إذا كنتم معترفين بأن اللَّه وحده هو الخالق للسموات والأرض ، والمسخر للشمس والقمر ، فلما ذا أشركتم معه في العبادة آلهة أخرى ؟ ولما ذا تنصرفون عن الإقرار بوحدانيته - عز وجل - ؟ ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده ، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال : * ( اللَّه يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ويَقْدِرُ لَه . . ) * . والضمير في قوله : * ( لَه ) * يعود على * ( مِنْ ) * على حد قولك : عندي درهم ونصفه . أي : ونصف درهم آخر . أي : اللَّه - تعالى - وحده هو الذي يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده ، وهو وحده الذي يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده . لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل ، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته ، وكل شيء عنده بمقدار . ويجوز أن يكون المعنى : اللَّه - تعالى - وحده هو الذي بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة ، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى . فعلى المعنى الأول : يكون البسط في الرزق لأشخاص ، والتضييق على آخرين ، وعلى المعنى الثاني يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن في أوقات مختلفة . واللَّه - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء .