سيد محمد طنطاوي
56
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم ، ويعلم من يستحق أن يبسط له في رزقه ، ومن يستحق التضييق عليه في رزقه . ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة اللَّه - تعالى - فقال : * ( ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) * أي : ماء كثيرا * ( فَأَحْيا بِه الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها ) * أي : فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة . لئن سألتهم من فعل ذلك * ( لَيَقُولُنَّ اللَّه ) * هو الذي فعل ذلك . * ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّه ) * أي : قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على اللَّه - تعالى - : الحمد للَّه الذي أظهر حجته ، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين ، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود . وقوله - سبحانه - : * ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) * إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض ، إلى بيان حقيقة حالهم ، وتسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن . أي : بل أكثرهم لا يعقلون شيئا مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور ، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة . وفي التعبير بأكثرهم ، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته ، وآمنت به وصدقته ، ثم بين - سبحانه - هوان هذه الحياة الدنيا ، بالنسبة للدار الآخرة فقال : * ( وما هذِه الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ ولَعِبٌ ، وإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) * . واللهو : اشتغال الإنسان بما لا يعنيه ولا يهمه . أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا . واللعب : العبث . وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح . أي : أن هذه الحياة الدنيا ، وما فيها من حطام ، تشبه في سرعة انقضائها وزوال متعها ، الأشياء التي يلهو بها الأطفال ، يجتمعون عليها وقتا ، ثم ينفضون عنها . أما الدار الآخرة ، فهي دار الحياة الدائمة الباقية ، التي لا يعقبها موت ، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء . ولفظ « الحيوان » مصدر حي . سمى به ذو الحياة ، والمراد به هنا : نفس الحياة الحقة . وقوله : * ( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) * أي : لو كانوا يعلمون حق العلم ، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية . ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى - : * ( فَإِذا رَكِبُوا فِي