سيد محمد طنطاوي
50
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم أرشده - سبحانه - إلى جواب آخر يرد به عليهم فقال : * ( قُلْ كَفى بِاللَّه بَيْنِي وبَيْنَكُمْ شَهِيداً ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين : يكفيني كفاية تامة أن يكون اللَّه - تعالى - وحده ، هو الشهيد بيني وبينكم على أنى صادق فيما أبلغه عنه ، وعلى أن هذا القرآن من عنده . وهو - سبحانه - * ( يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ ) * علما لا يعزب عنه شيء ، وسيجازينى بما أستحقه من ثواب ، وسيجازيكم بما تستحقونه من عقاب . * ( والَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ ) * وأعرضوا عن الحق * ( وكَفَرُوا بِاللَّه ) * - تعالى - مع وضوح الأدلة على أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة والطاعة . الذين فعلوا ذلك : * ( أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * خسارة ليس بعدها خسارة ، حيث آثروا الغي على الرشد ، واستحبوا العمى على الهدى ، وسيكون أمرهم فرطا في الدنيا والآخرة . وقوله - عز وجل - : * ( ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ . . . ) * بيان للون آخر من ألوان انطماس بصيرة هؤلاء الكافرين ، ومن سفاهاتهم وجهالاتهم . أي : أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بتكذيبك - أيها الرسول الكريم - بل أضافوا إلى ذلك ، التطاول عليك ، لسوء أدبهم ، وعدم فهمهم لوظيفتك . بدليل أنهم يطلبون منك أن تنزل عليهم العذاب بعجلة وبدون إبطاء ، على سبيل التحدي لك . كما قالوا في موطن آخر : . . . اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 1 » . ثم يبين اللَّه - تعالى - حكمته في تأخير عذابه عنهم إلى حين فيقول : * ( ولَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ . . . ) * . أي : يستعجلك المشركون يا محمد في نزول العذاب بهم ، والحق أنه لولا أجل مسمى ، ووقت معين ، حدده اللَّه - تعالى - في علمه لنزول العذاب بهم ، لجاءهم العذاب في الوقت الذي طلبوه ، بدون إبطاء أو تأخير . ومع ذلك فقل لهم - أيها الرسول الكريم - إن هذا العذاب آت لا ريب فيه في الوقت الذي يشاؤه اللَّه - تعالى - ، وإن هذا العذاب المدمر المهلك : * ( لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) * . أي : ليحلن عليهم فجأة وبدون مقدمات ، والحال أنهم لا يشعرون به ، بل يأتيهم بغتة فيبهتهم ، ويستأصل شأفتهم . ثم كرر - سبحانه - أقوالهم على سبيل التعجيب من حالهم ، والتسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما لقيه منهم . فقال : * ( يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ) * .
--> ( 1 ) سورة الأنفال الآية 32 .