سيد محمد طنطاوي
51
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : يستعجلونك - أيها الرسول الكريم - بالعذاب ، الذي لا يطلبه أحد في ذهنه مثقال ذرة من عقل ، والحال أن ما استعجلوه سينزل بهم لا محالة ، وستحيط بهم جهنم من كل جانب . ثم بين - سبحانه - كيفية إحاطة جهنم بهم فقال : * ( يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ ) * . أي : ستحيط بهم جهنم من كل جانب . يوم يحل بهم العذاب * ( مِنْ فَوْقِهِمْ ومِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) * أي : من جميع جهاتهم . * ( ويَقُولُ ) * - سبحانه - لهم ، على سبيل التقريع والتأنيب * ( ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * أي : تذوقوا العذاب المهين الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا والذي أحاط بكم من كل جانب بسبب أعمالكم القبيحة ، وأقوالكم الباطلة . وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة المكذبين ، الذين استعجلوا العذاب لجهلهم وعنادهم ، أتبع ذلك بتوجيه نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بالثبات على الحق ، فقال - تعالى - : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 56 إلى 60 ] يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 57 ) والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 58 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 59 ) وكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّه يَرْزُقُها وإِيَّاكُمْ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 60 ) قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - : يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ . . . : هذا أمر من اللَّه - تعالى - لعباده المؤمنين ، بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين ، إلى أرض اللَّه الواسعة ، حيث يمكن إقامة الدين ، بأن يوحدوا اللَّه ويعبدوه كما أمرهم . . . روى الإمام أحمد عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « البلاد بلاد اللَّه ، والعباد عباد اللَّه ، فحيثما أصبت خيرا فأقم » .