سيد محمد طنطاوي

47

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وعبر عن الكتاب بالآيات ، للإشعار بأنها في غاية الظهور والدلالة على كونها من عند اللَّه - تعالى - ، وأنه ما يكذب بها إلا من غطى الحق بالباطل عن تعمد وإصرار . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن من الناس من قابل هذا القرآن بالتصديق والإذعان ، ومنهم من قابله بالجحود والنكران . ثم ساق - سبحانه - أبلغ الأدلة وأوضحها على أن هذا القرآن من عنده - تعالى - ، فقال : * ( وما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِه مِنْ كِتابٍ ، ولا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ) * . أي : أنت - أيها الرسول الكريم - ما كنت في يوم من الأيام قبل أن ننزل عليك هذا القرآن - تاليا لكتاب من الكتب ، ولا عارفا للكتابة ، ولو كنت ممن يعرف القراءة والكتابة ، لارتاب المبطلون في شأنك ، ولقالوا إنك نقلت هذا القرآن بخطك من كتب السابقين . و * ( مِنْ ) * في قوله * ( مِنْ كِتابٍ ) * لتأكيد نفى كونه صلى اللَّه عليه وسلم قارئا لأي كتاب من الكتب قبل نزول القرآن عليه . وقوله : * ( ولا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ ) * لتأكيد نفى كونه صلى اللَّه عليه وسلم يعرف الكتابة أو الخط . قال الإمام ابن كثير : وهكذا صفته صلى اللَّه عليه وسلم في الكتب المتقدمة ، كما قال - تعالى - : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ، الَّذِي يَجِدُونَه مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ . . وهكذا كان صلوات اللَّه وسلامه عليه - إلى يوم القيامة ، لا بحسن الكتابة ، ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده ، بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم . . . » « 1 » . والمراد بالمبطلين ، كل من شك في كون هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - ، سواء أكان من مشركي مكة أم من غيرهم . وسماهم - سبحانه - مبطلين ، لأن ارتيابهم ظاهر بطلانه ومجانبته للحق ، لأن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قد لبث فيهم قبل النبوة أربعين سنة ، يعرفون حسبه ونسبه ، ويعلمون حق العلم أنه أمي لا يعرف الكتابة والقراءة . ثم بين - سبحانه - حقيقة هذا الكتاب المعجز فقال : * ( بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ . . . ) * .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 295 .