سيد محمد طنطاوي

48

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : هذا الكتاب ليس أساطير الأولين اكتتبها الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كما زعم المبطلون - ، بل هو آيات بينات واضحات راسخات ، في صدور المؤمنين به ، الذين حفظوه وتدبروه وعملوا بتوجيهاته وإرشاداته ، وعملوا بما فيه من حكم وأحكام وعقائد وآداب . ووصف اللَّه - تعالى - المؤمنين بهذا القرآن بالعلم على سبيل المدح لهم ، والإعلاء من شأنهم ، حيث استطاعوا عن طريق ما وهبهم - سبحانه - من علم نافع ، أن يوقنوا بأن هذا من عند اللَّه ، ولو كان من عند غير اللَّه ، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . وقوله - سبحانه - : * ( وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ ) * تذييل المقصود به ذم الذين تجاوزوا كل حق وصدق في أحكامهم وتصرفاتهم . أي : وما يجحد آياتنا مع وضوحها وسطوعها ، وينكر كونها من عند اللَّه - تعالى - ، إلا الظالمون المتجاوزون لكل ما هو حق ، ولكل ما هو صدق . ثم قصت علينا السورة الكريمة بعد ذلك طرفا من أقوال المشركين الفاسدة وأمرت الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أن يرد عليهم بما يزهق باطلهم ، كما قصت علينا لونا من ألوان جهالاتهم ، حيث استعجلوا العذاب الذي لا يستعجله عاقل . فقال - تعالى - : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 50 إلى 55 ] وقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْه آياتٌ مِنْ رَبِّه قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِنْدَ اللَّه وإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَولَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ كَفى بِاللَّه بَيْنِي وبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّه أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 52 ) ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ولَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 53 ) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 54 ) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ ومِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 55 )