سيد محمد طنطاوي
46
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال القرطبي ما ملخصه : اختلف العلماء في قوله - تعالى - : * ( ولا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ . . ) * فقال مجاهد : هي محكمة ، فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن ، على معنى الدعاء لهم إلى اللَّه - عز وجل - ، والتنبيه على حججه وآياته . . . وقوله : * ( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) * أي ظلموكم . . وقيل : هذه الآية منسوخة بآية القتال وهي قوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه . . . وقول مجاهد : حسن ، لأن أحكام اللَّه - عز وجل - لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر ، أو حجة من معقول . . . » « 1 » . ثم بين - سبحانه - موقف الناس من هذا الكتاب الذي أنزله على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( وكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ، فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِه . . ) * . والكاف بمعنى مثل : واسم الإشارة يعود إلى المصدر المفهوم من أنزلنا . أي : ومثل ذلك الإنزال المعجز البديع ، أنزلنا إليك الكتاب - أيها الرسول الكريم - ليكون هداية للناس ، فالذين آتيناهم الكتاب الشامل للتوراة والإنجيل وعقلوه وفتحوا قلوبهم للحق ، يؤمنون بهذا الكتاب الذي نزل عليك ، وهو القرآن . فالمراد بالذين أوتوا الكتاب : المؤمنون منهم كعبد اللَّه بن سلام وأمثاله . والمراد بالكتاب جنسه . والضمير في « به » يعود إلى القرآن الكريم الذي أنزله اللَّه على رسوله محمد صلى اللَّه عليه وسلم وخص هؤلاء المؤمنين منهم بإيتاء الكتاب ، على سبيل المدح لهم . لأنهم انتفعوا بما أوتوه من علم وعملوا بمقتضاه ، أما غيرهم ممن بقي على كفره ، فلكونه لم ينتفع بما في الكتاب من هدايات ، فكأنه لم يره أصلا . وقوله : * ( ومِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِه ) * أي : ومن هؤلاء العرب الذين أرسلت إليهم - أيها الرسول الكريم - من يؤمن بهذا القرآن الذي أنزلناه إليك . و « من » للتبعيض ، لأنهم لم يؤمنوا جميعا ، وإنما آمن منهم من هداه اللَّه - تعالى - إلى الصراط المستقيم . * ( وما يَجْحَدُ بِآياتِنا ) * الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، وعلى صدقك فيما تبلغه عنا ، * ( إِلَّا الْكافِرُونَ ) * أي : إلا الموغلون في الكفر ، المصرون عليه إصرارا تاما . والجحود : إنكار الحق مع معرفة أنه حق .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 13 ص 250 .