سيد محمد طنطاوي

45

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الحق بأسلوب لين كريم ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . « 1 » . وقوله : * ( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) * استثناء من الذين يجادلون بالتي هي أحسن . أي : ناقشوهم وأرشدوهم إلى الحق بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا منهم . بأن أساؤا إليكم ، ولم يستعملوا الأدب في جدالهم ، فقابلوهم بما يليق بحالهم من الإغلاظ والتأديب . وعلى هذا التفسير يكون المقصود بالآية الكريمة ، دعوة المؤمنين إلى استعمال الطريقة الحسنى في مجادلتهم لأهل الكتاب عموما ، ما عدا الظالمين منهم فعلى المؤمنين أن يعاملوهم بالأسلوب المناسب لردعهم وزجرهم وتأديبهم . وقيل : المراد بأهل الكتاب هنا : المؤمنون منهم ، والمراد بالذين ظلموا : من بقي على الكفر منهم . فيكون المعنى : ولا تجادلوا - أيها المؤمنون - من آمن من أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ، إلا الذين بقوا على كفرهم فعاملوهم بما يليق بحالهم من التأديب والإغلاظ عليهم . ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأرجح والأظهر ، لأن الآية مسوقة لتعليم المؤمنين كيف يجادلون من بقي على دينه من أهل الكتاب ، ولأن من ترك كفره منهم ودخل في الإسلام أصبح مسلما وليس من أهل الكتاب ، وما دام الأمر كذلك فليس المسلمون في حاجة إلى إرشادهم إلى كيفية مجادلته ، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( وقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ . . . ) * يرجح أن المراد بأهل الكتاب هنا من بقي على دينه منهم . أي : جادلوهم بالطريقة الحسنى ما داموا لم يظلموكم ، وقولوا لهم على سبيل التعليم والإرشاد « آمنا بالذي أنزل إلينا » وهو القرآن ، وآمنا بالذي أنزل إليكم من التوراة والإنجيل . قال الشوكاني : أي : آمنا بأنهما منزلان من عند اللَّه ، وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإسلامية ، والبعثة المحمدية ولا يدخل في ذلك ما حرفوه وبدلوه ، « 2 » . * ( وإِلهُنا وإِلهُكُمْ واحِدٌ ) * لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته * ( ونَحْنُ ) * جميعا معاشر المؤمنين * ( لَه مُسْلِمُونَ ) * أي : مطيعون وعابدون له وحده ، ولا نتخذ أربابا من دونه - عز وجل - .

--> ( 1 ) سورة النحل . الآية 125 . ( 2 ) تفسير فتح القدير ج 4 ص 205 .