سيد محمد طنطاوي

43

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بعض المعاصي ، فأقول لك : إن الذنب ليس ذنب الصلاة ، وإنما الذنب ذنب هذا المرتكب للمعاصي ، لأنه لم يؤد الصلاة أداء مصحوبا بالخشوع والإخلاص . . . وإنما أداها دون أن يتأثر بها قلبه . . ولعلها تنهاه في يوم من الأيام ببركة مداومته عليها ، كما جاء في الحديث الشريف : « إن الصلاة ستنهاه » . وقوله - سبحانه - : * ( ولَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ ) * أي : ولذكر اللَّه - تعالى - بجميع أنواعه من تسبيح وتحميد وتكبير وغير ذلك من ألوان العبادة والذكر ، أفضل وأكبر من كل شيء آخر ، لأن هذا الذكر للَّه - تعالى - في كل الأحوال ، دليل على صدق الإيمان ، وحسن الصلة باللَّه - تعالى - . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( ولَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ ) * ، قال ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن عمر . . أي : ولذكر اللَّه - تعالى - إياكم ، أكبر من ذكركم إياه - سبحانه - . . وروى عن جماعة من السلف أن المعنى : ولذكر العبد للَّه - تعالى - ، أكبر من سائر الأعمال . أخرج الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال : ما عمل ابن آدم عملا أنجى له من عذاب اللَّه يوم القيامة ، من ذكر اللَّه - تعالى - . . وقيل : المراد بذكر اللَّه : الصلاة . كما في قوله - تعالى - : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّه ، أي : إلى الصلاة ، فيكون المعنى : وللصلاة أكبر من سائر الطاعات ، وإنما عبر عنها به ، للإيذان بأن ما فيها من ذكر اللَّه - تعالى - هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ، ناهية عن السيئات » « 1 » . ويبدو لنا أن المراد بذكر اللَّه - تعالى - هنا : ما يشمل كل قول طيب وكل فعل صالح ، يأتيه المسلم بإخلاص وخشوع ، وعلى رأس هذه الأقوال والأفعال : التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل ، والصلاة وما اشتملت عليه من أقوال وأفعال . . وأن المسلم متى أكثر من ذكر اللَّه - تعالى - ، كان ثوابه - سبحانه - له ، وثناؤه عليه ، أكبر وأعظم من كل قول ومن كل فعل . وقوله - سبحانه - : * ( واللَّه يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ) * تذييل قصد به الترغيب في إخلاص العبادة للَّه ، والتحذير من الرياء فيها .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 20 ص 165 .