سيد محمد طنطاوي

42

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إن في ذلك الذي خلقناه بقدرتنا ، من سماوات مرتفعة بغير عمد ، ومن أرض مفروشة بنظام بديع ، ومن عجائب لا يحصيها العد في هذا الكون ، إن في كل ذلك لآية بينة ، وعلامة واضحة ، على قدرة اللَّه - عز وجل - . وخص المؤمنين بالذكر ، لأنهم هم المتدبرون في هذه الآيات والدلائل ، وهم المنتفعون بها في التعرف على وحدانية اللَّه وقدرته ، وعلى حسن عبادته وطاعته . والمقصود بالتلاوة في قوله - تعالى - : * ( اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ ) * : القراءة المصحوبة بضبط الألفاظ ، وبتفهم المعاني . والخطاب للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ويشمل كل من آمن به . أي : اقرأ - أيها الرسول الكريم - ما أوحينا إليك من آيات هذا القرآن قراءة تدبر واعتبار واتعاظ ، وداوم على ذلك ، ومر أتباعك أن يقتدوا بك في المواظبة على هذه القراءة الصحيحة النافعة . * ( وأَقِمِ الصَّلاةَ ) * أي : وواظب على إقامة الصلاة في أوقاتها بخشوع وإخلاص واطمئنان ، وعلى المؤمنين أن يقتدوا بك في ذلك . وقوله : * ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ ) * تعليل للأمر بالمحافظة على إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص . أي : داوم - أيها الرسول الكريم - على إقامة الصلاة بالطريقة التي يحبها اللَّه - تعالى - ، فإن من شأن الصلاة التي يؤديها المسلم في أوقاتها بخشوع وإخلاص ، أن تنهى مؤديها عن ارتكاب الفحشاء - وهي كل ما قبح قوله وفعله - ، وعن المنكر - وهو كل ما تنكره الشرائع والعقول السليمة - . قال الجمل : « ومعنى نهيها عنهما ، أنها سبب الانتهاء عنهما ، لأنها مناجاة للَّه - تعالى - ، فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته ، وإعراض كلى عن معاصيه . قال ابن مسعود : في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي اللَّه ، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ، ولم تنهه عن المنكر ، لم يزدد من اللَّه إلا بعدا . . وروى عن أنس - رضى اللَّه عنه - أن فتى من الأنصار ، كان يصلى مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم ثم يأتي الفواحش ، فذكر للنبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : إن صلاته ستنهاه ، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله » « 1 » . والخلاصة : أن من شأن الصلاة المصحوبة بالإخلاص والخشوع وبإتمام سننها وآدابها ، أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ، فإن وجدت إنسانا يؤدى الصلاة ، ولكنه مع ذلك يرتكب

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 377 .