سيد محمد طنطاوي

355

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

عنادهم وجحودهم فقال : * ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ . . . ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل التبكيت والتأنيب لهؤلاء المشركين . أخبروني وأنبئونى عن حال شركائكم الذين عبدتموهم من دون اللَّه ، ماذا فعلوا لكم من خير أو شر ، وأرونى أي جزء خلقوه من الأرض حتى استحقوا منكم الألوهية والشركة مع اللَّه - تعالى - في العبادة ؟ إنهم لم يفعلوا - ولن يفعلوا - شيئا من ذلك ، فكيف أبحتم لأنفسكم عبادتهم ؟ وقوله * ( أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ) * تبكيت آخر لهم . أي : وقل لهم : إذا كانوا لم يخلقوا شيئا من الأرض ، فهل لهم معنا شركة في خلق السماوات أو في التصرف فيها ، حتى يستحقوا لذلك مشاركتنا في العبادة والطاعة . وقوله : * ( أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْه ) * تبكيت ثالث لهم . أي : وقل لهم إذا كانوا لم يخلقوا شيئا من الأرض ، ولم يشاركونا في خلق السماوات ، فهل نحن أنزلنا عليهم كتابا أقررنا لهم فيه بمشاركتنا ، فتكون لهم الحجة الظاهرة البينة على صدق ما يدعون ؟ والاستفهام في جميع أجزاء الآية الكريمة للإنكار والتوبيخ . والمقصود بها قطع كل حجة يتذرعون بها في شركهم ، وإزهاق باطلهم بألوان من الأدلة الواضحة التي تثبت جهالاتهم ، حيث أشركوا مع اللَّه - تعالى - ما لا يضر ولا ينفع ، وما لا يوجد دليل أو ما يشبه الدليل على صحة ما ذهبوا إليه من كفر وشرك . ولذا ختمت الآية الكريمة بالإضراب عن أوهامهم وبيان الأسباب التي حملتهم على الشرك ، فقال - تعالى - : * ( بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً ) * . أي : أن هؤلاء الشركاء لم يخلقوا شيئا لا من الأرض ولا من السماء ، ولم نؤتهم كتابا بأنهم شركاء لنا في شيء ، بل الحق أن الظالمين يخدع بعضهم بعضا ، ويعد بعضهم بعضا بالوعود الباطلة ، بأن يقول الزعماء لأتباعهم : إن هؤلاء الآلهة هم شفعاؤنا عند اللَّه ، وأننا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى ، فيترتب على قولهم هذا ، أن ينساق الأتباع وراءهم كما تنساق الأنعام وراء راعيها . وبعد أن بين - سبحانه - ما عليه المعبودات الباطلة من عجز وضعف ، أتبع ذلك ببيان جانب من عظيم قدرته ، وعميم فضله فقال : * ( إِنَّ اللَّه يُمْسِكُ السَّماواتِ والأَرْضَ أَنْ تَزُولا ، ولَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِه . . ) * .