سيد محمد طنطاوي
336
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والإشارة في قوله : * ( ذلِكُمُ اللَّه رَبُّكُمْ لَه الْمُلْكُ . . . ) * تعود إلى الخالق والموجد لتلك الكائنات العجيبة البديعة ، وهو اللَّه - عز وجل - . أي : ذلكم الذي أوجد كل هذه المخلوقات لمنفعتكم ، هو اللَّه - تعالى - ربكم وهو وحده الذي له ملك هذا الكون ، لا يشاركه فيه مشارك ، ولا ينازعه في ملكيته منازع * ( والَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِه ) * أي : والذين تعبدونهم من دون اللَّه - تعالى - ، وتصفونهم بأنهم آلهة . * ( ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ) * والقطمير : القشرة البيضاء الرقيقة الملتفة على النواة . أو هو النقطة في ظهر النواة ، ويضرب مثلا لأقل شيء وأحقره . أي : والذين تعبدونهم من دون اللَّه - تعالى - لا يملكون معه - سبحانه - شيئا ، ولو كان هذا الشيء في نهاية القلة والحقارة والصغر ، كالنكتة التي تكون في ظهر النواة . ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى وقرره فقال : * ( إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ . . . ) * . أي : إن هذه المعبودات الباطلة لا تملك من شيء مع اللَّه - تعالى - ، بدليل أنكم إن تدعوهم لنفعكم ، لن يسمعوا دعاءكم ، وإن تستغيثوا بهم عند المصائب والنوائب ، لن يلبوا استغاثتكم . . * ( ولَوْ سَمِعُوا ) * على سبيل الفرض والتقدير * ( مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ ) * لأنهم لا قدرة لهم على هذه الاستجابة لعجزهم عن ذلك . * ( ويَوْمَ الْقِيامَةِ ) * الذي تتجلى فيه الحقائق ، وتنكشف الأمور * ( يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) * . أي : يتبرؤن من عبادتكم لهم ، ومن إشراككم إياهم العبادة مع اللَّه - تعالى - ، فضلا عن عدم استجابتهم لكم إذا دعوتموهم لنصرتكم . * ( ولا يُنَبِّئُكَ ) * أي : ولا يخبرك بهذه الحقائق التي لا تقبل الشك أو الريب . * ( مِثْلُ خَبِيرٍ ) * أي : مثل من هو خبير بأحوال النفوس وبظواهرها وببواطنها . وهو اللَّه - عز وجل - ، فإنه - سبحانه - هو الذي يعلم السر وأخفى . وبهذا نرى الآيات الكريمة ، قد طوفت بنا في أرجاء هذا الكون ، وساقت لنا ألوانا من نعم اللَّه - تعالى - على الناس ، كالرياح ، والسحاب ، والأمطار والبحار ، والليل والنهار ، والشمس والقمر . . . وهي نعم تدل على وحدانية المنعم بها ، وعلى قدرته - عز وجل - وفي كل ذلك هداية إلى الحق لكل عبد منيب . ثم وجه - سبحانه - نداء ثالثا إلى الناس ، نبههم فيه إلى فقرهم إليه - سبحانه - ، وإلى غناه عنهم ، وإلى مسؤولية كل إنسان عن نفسه ، وإلى وظيفة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي